حضور المرأة يعيد تشكيل الخطاب الديني إعلامياً

أضيف بتاريخ 07/11/2026
دار سُبْحة

تتجه ملامح الخطاب الديني في الفضاء الإعلامي نحو تحول يرتبط بطبيعة الأصوات التي تمثله، مع بروز دور المرأة كعنصر فاعل في إعادة صياغة العلاقة بين المؤسسات الدينية والجمهور. وتكشف معطيات «الدراسة العالمية للإيمان والإعلام» عن فجوة قائمة بين الصورة المتداولة عن الأديان وبين تطلعات الجمهور، وهي فجوة يرتبط جزء منها بضعف تمثيل النساء في مواقع التعبير الرسمي.



تُظهر نتائج الدراسة أن واحدة من أكثر الصور النمطية انتشاراً تتمثل في الاعتقاد بأن النساء لا يحظين بفرص القيادة داخل المؤسسات الدينية، أو أن الانتماء الديني يحد من مساراتهن المهنية والاجتماعية. هذا التصور لا يتشكل في الفراغ، بل يتغذى من أنماط التغطية الإعلامية التي تميل إلى إبراز أصوات محددة وإقصاء أخرى، ما يؤدي إلى ترسيخ صورة أحادية لا تعكس التنوع الفعلي داخل المجتمعات الدينية.


في المقابل، يكشف الاستطلاع عن ميل واضح لدى الجمهور العالمي نحو إعادة التوازن في هذا التمثيل، إذ تؤيد نسبة كبيرة فكرة توسيع حضور النساء كمتحدثات رسميّات باسم المؤسسات الدينية. هذا التأييد لا يقتصر على بيئات ثقافية بعينها، بل يمتد عبر سياقات اجتماعية مختلفة، مع تسجيل مستويات دعم مرتفعة في الدول ذات الطابع العلماني وكذلك في المجتمعات التي يحتل فيها الدين موقعاً مركزياً في الحياة العامة.


يتصل هذا التوجه برغبة متزايدة لدى الجمهور في سماع ما يمكن وصفه بالتجارب الحية، أي الخطابات التي تعكس واقع الأفراد وتفاصيل حياتهم اليومية، بدلاً من الاكتفاء بصيغ مؤسسية مجردة. في هذا الإطار، يُنظر إلى المرأة بوصفها حاملة لزاوية نظر مختلفة، تتيح تناول قضايا الإيمان من منظور أكثر قرباً من التجربة الاجتماعية، بما يشمل قضايا الأسرة والعمل والتعليم والاندماج المجتمعي.


من جهة أخرى، يواجه الصحفيون تحديات متكررة عند تناول الشأن الديني، خاصة في ظل محدودية المصادر المتنوعة داخل غرف الأخبار. وتشير الدراسة إلى أن نقص التعددية في الخبرات الدينية والفكرية ينعكس مباشرة على طبيعة التغطية، حيث يغيب التوازن وتضعف القدرة على مقاربة القضايا الحساسة. ويتيح حضور متحدثات مؤهلات إمكانية الوصول إلى روايات أوسع، ما يساعد على إنتاج محتوى أكثر دقة واتساعاً في التمثيل.


كما يرتبط إشراك النساء في الخطاب الديني الإعلامي بمسألة جودة المحتوى، إذ يطالب قطاع معتبر من الجمهور بمواد أكثر عمقاً ومهنية في تناول القضايا الدينية. ويبدو أن التنوع في مصادر الخطاب يسهم في تجديد الزوايا التحريرية وتوسيع نطاق الموضوعات المطروحة، الأمر الذي يعزز اهتمام الجمهور ويزيد من قابلية التفاعل مع هذا النوع من المحتوى.


ولا يقتصر أثر هذا الحضور على الجانب الإعلامي فحسب، بل يمتد إلى صورة المؤسسات الدينية نفسها، حيث يساهم في تقديمها ككيانات أكثر انفتاحاً على المجتمع وتنوعه الداخلي. ويؤدي ذلك إلى تقليص الفجوة الإدراكية بين ما تمثله هذه المؤسسات في الواقع وبين ما يُنقل عنها في الفضاء الإعلامي، خاصة لدى الأجيال الشابة التي تبحث عن خطاب أقرب إلى تجربتها اليومية.


في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن تمثيل المرأة كمتحدثة رسمية لا يندرج ضمن مقاربة شكلية أو رمزية، بل يرتبط بوظيفة تواصلية ومعرفية تتصل بجوهر العلاقة بين الدين والإعلام. ويبدو أن إعادة تشكيل هذه العلاقة تمر عبر توسيع دائرة الأصوات المعبرة، بما يتيح بناء سرديات أكثر توازناً وقدرة على مواكبة التحولات الاجتماعية المتسارعة.