لم تعد القضايا الدينية تحظى بالمكانة التي كانت تشغلها داخل غرف الأخبار، إذ برز خلال السنوات الأخيرة نمط جديد في المعالجة الإعلامية يقوم على إسناد هذه الملفات إلى صحفيين عامين بدل المتخصصين. هذا التحول يرتبط بتحولات اقتصادية وهيكلية أصابت المؤسسات الإعلامية، حيث تقلصت الموارد المالية وتراجعت القدرة على الحفاظ على كوادر متخصصة تمتلك معرفة عميقة بالحقول الدينية وتعقيداتها.
أفرز هذا الوضع ما يمكن وصفه بتفريغ التخصصات، إذ بات الصحفي العام مطالباً بتغطية مجالات متعددة تتطلب في الأصل معرفة دقيقة وخلفية معرفية متراكمة. ومع انتقال موضوعات الدين إلى هذا الإطار، أصبحت التغطية تميل إلى الطابع السريع والمختصر، وهو ما ينعكس على مستوى العمق والتحليل. فالقضايا الدينية، بما تنطوي عليه من أبعاد تاريخية وفقهية وثقافية، لا تستجيب بسهولة لمنطق المعالجة السريعة، ما يؤدي إلى تقديمها في صورة مجتزأة تفتقر إلى الإحاطة.
كما أن غياب التخصص يحد من قدرة الصحفي على التعامل مع التفاصيل الدقيقة التي تميز الخطاب الديني. فالمصطلحات، والسياقات، والحساسيات المرتبطة بالهوية والمعتقد، تتطلب درجة عالية من الدقة في الصياغة والاختيار، وهو ما يصبح صعباً تحت ضغط الزمن ومتطلبات النشر الفوري. وينتج عن ذلك أحياناً اختلال في التوازن أو ميل غير مقصود نحو تبسيط مخل، الأمر الذي يؤثر في جودة المادة الصحفية وفي قدرتها على نقل الواقع كما هو.
في هذا الإطار، يظهر ميل واضح إلى الاعتماد على أطر تفسيرية جاهزة، تختزل الدين في صور محددة، غالباً ما ترتبط بالتشدد أو المحافظة. ويؤدي هذا النمط إلى تضييق دائرة المصادر، حيث يتم استدعاء أصوات بعينها تتماشى مع هذه الأطر، في حين تغيب أطياف أوسع من الفاعلين الدينيين الذين يقدمون قراءات مختلفة. هذا الانتقاء غير المتوازن يعزز الصور النمطية ويعيد إنتاجها داخل المجال الإعلامي.
إلى جانب ذلك، يبرز عامل آخر يتمثل في الحذر المفرط لدى الصحفيين غير المتخصصين عند تناول الشأن الديني. فالتداخل بين الدين والسياسة، وما يرافقه من حساسيات اجتماعية، يخلق حالة من التردد في الاقتراب من هذه الموضوعات بعمق. وبدلاً من المغامرة بتحليل موسع قد يثير جدلاً، يتم الاكتفاء بنقل الوقائع بشكل مقتضب، مع تجنب الخوض في الخلفيات والدلالات. هذا النمط من المعالجة يفرغ المادة الصحفية من بعدها التفسيري، ويحولها إلى مجرد نقل معلومات.
كما تشير المعطيات إلى أن إدراك الأبعاد الدينية في الأحداث اليومية يتطلب قدراً من الخبرة أو المعرفة المسبقة، وهو ما لا يتوفر دائماً لدى الصحفي العام. ففي كثير من الحالات، تمر عناصر ذات طابع ديني داخل الخبر دون أن يتم التقاطها أو إبرازها، ما يؤدي إلى تقديم صورة ناقصة للواقع. ويزداد هذا القصور وضوحاً عند تناول قضايا تتداخل فيها الدين مع مجالات أخرى مثل السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة.
وتتفاقم هذه الإشكالات في بيئة إعلامية تحكمها ديناميات المنصات الرقمية، حيث يفرض السعي إلى تحقيق انتشار واسع إيقاعاً سريعاً يفضل المحتوى المبسط والقابل للتداول. وفي هذا السياق، تصبح القصص الدينية عرضة للاختزال، إذ يتم تقديمها في صيغ مختصرة تفتقد إلى التعقيد الذي يميزها، ما يقلل من قدرتها على تلبية حاجات جمهور يبحث عن فهم أعمق.
نتيجة لذلك، تحول الدين في كثير من التغطيات إلى موضوع يظهر بشكل متقطع، غالباً عند وقوع أحداث استثنائية أو نزاعات، بدلاً من اعتباره عنصراً بنيوياً في فهم المجتمعات. هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في أولويات المؤسسات الإعلامية، بل يكشف أيضاً عن تحديات أوسع تواجه الصحافة في التوفيق بين متطلبات السرعة وضغوط السوق من جهة، والحاجة إلى المعرفة المتخصصة من جهة أخرى.


