التعددية الدينية تعيد تشكيل غرف الأخبار الحديثة

أضيف بتاريخ 07/23/2026
دار سُبْحة

تواجه المؤسسات الإعلامية تحولات عميقة مع تصاعد حضور الدين في النقاشات العامة وتزايد تعقيداته الاجتماعية والثقافية. وتكشف معطيات الدراسة العالمية للإيمان والإعلام عن فجوة واضحة بين طبيعة المجتمعات المتعددة دينياً وبين تركيبة غرف الأخبار، ما يفرض مراجعة منهجية لبنية العمل الصحفي وأساليبه. هذا التحول لا يرتبط فقط بالتمثيل العددي، بل يمتد إلى كيفية إنتاج المعرفة الصحفية وصياغة السرديات المرتبطة بالدين.



أول عناصر المعالجة يتصل بسياسات التوظيف، حيث يتطلب الأمر إعادة بناء فرق العمل بما يعكس التنوع الديني القائم داخل المجتمع. المعطيات الميدانية تفيد بأن عدداً كبيراً من الصحفيين يعملون ضمن بيئات مهنية متقاربة الخلفيات، وهو ما يحد من القدرة على استيعاب زوايا نظر متعددة. وقد أظهرت نتائج Pew Research Center حول التنوع الديني عالمياً أن المجتمعات باتت أكثر تركيباً، الأمر الذي يفرض على غرف الأخبار اعتماد سياسات استقطاب أكثر انفتاحاً تستهدف كفاءات من خلفيات مختلفة، بما يسهم في توسيع أفق التغطية الصحفية.


في السياق ذاته، تبرز مسألة تمكين الصحفيين ذوي الخلفيات الدينية كعامل حاسم في تحسين جودة المعالجة الإعلامية. فالممارسة المهنية غالباً ما تضع هؤلاء أمام ضغوط تتعلق بإثبات الحياد، ما يدفع بعضهم إلى إخفاء انتماءاتهم أو التقليل من حضورها. غير أن الخبرة المباشرة المرتبطة بالمعتقد تمنح هؤلاء قدرة أعلى على التقاط التفاصيل الدقيقة وفهم الحساسيات الثقافية المرتبطة بالموضوعات الدينية. ويظهر ذلك في دراسات مقارنة نشرتها جامعة كولومبيا حول الصحافة والدين التي توضح كيف يسهم التنوع داخل الفرق التحريرية في إنتاج محتوى أكثر توازناً ودقة.


على مستوى آخر، يتطلب تحسين التغطية إعادة الاعتبار للتخصص داخل غرف الأخبار. فقد أدى الاتجاه نحو الصحفي الشامل إلى إضعاف المعالجة المتعمقة للملفات الدينية، التي تحتاج إلى معرفة تاريخية وسوسيولوجية دقيقة. ويبرز هنا دور الصحفي المتخصص القادر على تفكيك القضايا المركبة دون الوقوع في التبسيط أو التعميم. هذا التوجه يجد دعماً في توصيات معهد رويترز لدراسة الصحافة التي تدعو إلى تعزيز التخصص في مجالات ذات حساسية عالية.


أما في ما يتعلق بالمصادر، فإن تنويع المتحدثين يمثل مدخلاً أساسياً لتقديم صورة أكثر شمولاً. الاقتصار على القيادات الرسمية يحصر السردية في إطار ضيق، بينما يتيح إشراك أفراد عاديين نقل التجربة اليومية للدين بوصفه ممارسة اجتماعية. كما أن ضعف تمثيل النساء داخل الخطاب الديني الإعلامي يظل من أبرز الإشكالات، في وقت تعبر فيه قطاعات واسعة من الجمهور عن رغبتها في حضور نسائي أكبر ضمن النقاشات العامة، وهو ما أكدته بيانات تقرير Edelman Trust Barometer.


التحولات المطلوبة لا تقتصر على البنية البشرية، بل تشمل أيضاً الأطر التحريرية ومعايير تقييم الأداء. فالميل إلى تغطية الدين من زاوية الصراع أو الجدل يختزل الظاهرة في بعدها السياسي، بينما تشير اتجاهات الجمهور إلى اهتمام متزايد بالمقاربات الإنسانية والثقافية. هذا يستدعي تطوير مؤشرات قياس تتجاوز منطق النقرات السريعة نحو تقييم أعمق لتأثير المحتوى وجودته. وقد تناول تقرير Digital News Report هذه الإشكالية من خلال رصد تغير سلوكيات الجمهور عالمياً.


في موازاة ذلك، تبرز ضرورة التعامل مع الصور النمطية المرتبطة بالأديان ضمن إطار مهني واضح، يضعها على قدم المساواة مع قضايا التمييز الأخرى. إذ أن استمرار بعض الأنماط التبسيطية في التغطية الإعلامية يساهم في تكريس تصورات غير دقيقة، ما ينعكس على فهم الجمهور للعلاقات بين المجموعات الدينية. وتدعو توصيات اليونسكو حول أخلاقيات الإعلام إلى اعتماد معايير تحريرية دقيقة تضمن تمثيلاً متوازناً يحترم التعددية.


توضح هذه المعطيات أن إدماج التعددية الدينية داخل غرف الأخبار ليس إجراءً تقنياً محدوداً، بل عملية تحول بنيوي تمس الثقافة المهنية وأساليب العمل. نجاح هذا التحول يرتبط بقدرة المؤسسات الإعلامية على التكيف مع واقع اجتماعي أكثر تنوعاً، وعلى إنتاج محتوى يعكس هذا التنوع بدقة وعمق.