الإعلام وإعادة تشكيل صورة الدين عالمياً

أضيف بتاريخ 07/22/2026
دار سُبْحة

تطرح نتائج «الدراسة العالمية للإيمان والإعلام» تصوراً عملياً لكيفية تعامل المؤسسات الإعلامية مع الصور النمطية الدينية، عبر مقاربة تتجاوز التغطية التقليدية نحو معالجة أكثر تركيباً تعتمد على بنية غرف الأخبار، واختيار المصادر، وطبيعة السرد الصحفي. ويأتي ذلك استجابة لتحولات في توقعات الجمهور الذي بات يطالب بمحتوى أكثر دقة واتزاناً عند تناول القضايا الدينية.



أولى نقاط التحول ترتبط بطبيعة الأصوات التي تمنح لها المنصات الإعلامية مساحة الظهور. تشير المعطيات إلى أن نسبة تفوق 85 في المئة من المشاركين تفضل حضور متحدثين يعكسون تجاربهم الشخصية المرتبطة بالدين، بدلاً من الاكتفاء بخطاب تمثيلي صادر عن مؤسسات رسمية. هذا التوجه يعيد الاعتبار لما يعرف بـ«التجربة الحية»، حيث يصبح الدين ممارسة يومية متعددة الأبعاد، لا مجرد منظومة خطابية مجردة. كما يظهر توجه عالمي، بنسبة تقارب 80 في المئة، يدعو إلى توسيع حضور النساء في مواقع التمثيل الديني داخل الإعلام، بما يعيد التوازن لصورة غالباً ما ارتبطت بتمثيلات ذكورية أحادية.


في الوقت نفسه، تدفع هذه النتائج نحو مراجعة آلية اختيار الضيوف والخبراء، إذ لا يزال الاعتماد قائماً في كثير من الحالات على شخصيات ذات مواقف حادة أو خطاب مغلق، لما توفره من جاذبية جدلية. غير أن هذا النمط يسهم في ترسيخ صورة غير دقيقة عن الدين بوصفه مجالاً للصراع، بينما تظهر الحاجة إلى إشراك أصوات أقرب إلى التيارات السائدة التي تعبر عن الممارسات اليومية للمؤمنين.


على مستوى غرف الأخبار، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في تركيبة الفرق الصحفية. ضعف التمثيل الديني داخل المؤسسات الإعلامية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تغطيات تفتقر إلى الحساسية الثقافية. إدماج صحفيين من خلفيات دينية متنوعة يمكن أن يفتح المجال أمام زوايا معالجة أكثر عمقاً. إلى جانب ذلك، يطرح النقاش مسألة التخصص، حيث أدى تراجع الصحافة المتخصصة في الشؤون الدينية إلى إسناد هذا النوع من التغطيات إلى صحفيين عامين، ما يؤثر على دقة المعالجة. تقارير Reuters Institute for the Study of Journalism تشير إلى أن الاستثمار في التخصص يعزز جودة المحتوى في القضايا المعقدة، ومنها الدين.


كما أن عامل الزمن يلعب دوراً حاسماً. التغطيات السريعة التي تفرضها بيئة الأخبار الرقمية لا تتيح دائماً مساحة كافية للتفكيك والتحليل، وهو ما ينعكس في اختزال الظواهر الدينية في صور مبسطة. المعالجة الدقيقة تتطلب وقتاً وموارد، وهو ما تدعو إليه أيضاً دراسات مثل تلك الصادرة عن Pew Research Center حول الدين والإعلام.


في جانب آخر، تتعلق الإشكالية بطريقة تأطير الموضوعات الدينية داخل الوسائط الإعلامية. الاعتماد المفرط على الأخبار المرتبطة بالنزاعات أو الأزمات أدى إلى ربط الدين تلقائياً بمظاهر التوتر. مقابل ذلك، تظهر التجارب أن إدراج الدين ضمن تغطيات الثقافة ونمط الحياة والتاريخ يسمح بتقديم صورة أكثر شمولاً، حيث يتم تناول الأبعاد الاجتماعية والجمالية للممارسات الدينية. هذا التحول لا يلغي أهمية التغطية السياسية أو الأمنية، بل يوازنها بسرديات أخرى أكثر تنوعاً.


وتكشف البيانات أن 56 في المئة من الجمهور العالمي يرغب في متابعة موضوعات دينية معقدة تتجاوز المعالجة السطحية، ما يفتح المجال أمام الصحافة الاستقصائية والتحليلية. هذا الطلب يعكس استعداداً لدى الجمهور للتفاعل مع محتوى أكثر عمقاً، خلافاً للاعتقاد السائد بأن القضايا الدينية لا تجذب إلا في حالات الجدل.


في موازاة ذلك، تبرز مسألة الحماية من الصور النمطية بوصفها محوراً أساسياً. نحو 78 في المئة من المشاركين يرون أن الصور النمطية المرتبطة بالدين تستحق مستوى الحماية نفسه الذي تحظى به القضايا المرتبطة بالعرق أو النوع الاجتماعي. هذا المعطى يضع الإعلام أمام مسؤولية تتجاوز نقل الوقائع إلى تفكيك التمثلات الجاهزة، خصوصاً تلك التي تربط الدين حصراً بالتطرف أو المواقف الإقصائية.


تطبيق هذه المقاربات ينسجم مع رغبة 63 في المئة من الجمهور العالمي في الحصول على محتوى ديني عالي الجودة. ويبدو أن الرهان لم يعد يقتصر على تحسين الصورة، بل يمتد إلى إعادة بناء الثقة بين الإعلام والجمهور، في مرحلة تتسم بحساسية متزايدة تجاه قضايا الهوية والمعتقد.