مئة عام على جامع باريس: ذاكرة استعمارية وسجالات معاصرة

أضيف بتاريخ 07/20/2026
سُبْحة


جذور المشروع: من الفكرة إلى مطلع القرن العشرين


شُرع في مشروع بناء مسجد في باريس بعد الحرب العالمية الأولى، فيما كانت فرنسا تؤكد موقعها كثاني قوة استعمارية بعد الإمبراطورية البريطانية، مع نحو ثلاثين مليون مسلم في مستعمراتها وشريحة متزايدة من الجنود والعمال الوافدين إلى العاصمة. تعود الفكرة إلى العقود السابقة؛ منذ أربعينيات القرن التاسع عشر ظهرت مشاريع متفرقة لإنشاء فضاء عبادة «لرعايا» مسلمين، مروراً بإنشاء مربع جنائزي إسلامي في مقبرة بير لاشيز عام 1856 كإشارة رمزية لتحالفات عسكرية مع الدولة العثمانية. غير أن هذه المبادرات بقيت حبيسة التردد السياسي والتوجس المجتمعي، بين من يعتبر بناء مسجد «تنازلاً» دينياً غير مبرر ومن يراه أداة دبلوماسية لتثبيت النفوذ الفرنسي لدى النخب الإسلامية.


في نهاية القرن التاسع عشر، تناولت الصحافة الكاثوليكية، مثل جريدة «لا كروا»، الطرح بلهجة رافضة تصوّر المسجد مشروعاً منافياً لأولويات العمل الخيري داخل فرنسا، وتقترح بدائل ساخرة من قبيل تخصيص حدائق عامة للمصلين المسلمين بدل بناء صرح ديني جديد. في المقابل، ظهرت أصوات في الصحافة المقرّبة من الأوساط العثمانية تدافع عن إنشاء مسجد باعتباره علامة احترام ديني لزوار مسلمين، وتستند إلى فكرة أن وجود فضاء عبادة رسمي في العاصمة يمكن أن يُسهّل اندماج الرعايا المسلمين الزائرين أو المقيمين مؤقتاً. يعبّر هذا الجدل المبكر عن تناقض بين تصوّر يرى الإسلام أساساً كقضية خارجية مرتبطة بـ«رعايا الإمبراطورية» وتصوّر آخر يطرح، ولو بحذر، إمكانية حضور العبادة الإسلامية في قلب الفضاء المدني الفرنسي.



الحرب العالمية الأولى ومولد الجامع


أفضت الحرب العالمية الأولى، مع مشاركة عشرات الآلاف من الجنود المسلمين في الجبهات الأوروبية، إلى إعادة تعريف علاقة الدولة الفرنسية بهؤلاء المقاتلين وبمستعمراتها ذات الأغلبية المسلمة، وهو ما مهّد سياسياً لقرار إنشاء «معهد مسلم» يضم مسجداً ومكتبة وقاعات دراسة. لتفادي الاصطدام المباشر مع مبدأ العلمانية المنصوص عليه في قانون 1905، أسندت مهمة البناء وتملك العقار إلى «جمعية الأحباس» ذات مقر في الجزائر، بما يسمح بتأمين التمويل العمومي وتبرعات خاصة ضمن صيغة قانونية توصف بأنها «وقف» مخصّص لأعمال دينية وتعليمية. هكذا ظهر المسجد منذ بداياته كترتيب قانوني وسياسي معقّد يربط بين وزارة الخارجية والبلديات وفاعلين دينيين من شمال إفريقيا، ويجعل من الهندسة الوقفية أداة لتجاوز القيود القانونية الداخلية.


قاد الدبلوماسي خضور بن غبريط المشروع بوصفه رئيس جمعية الأحباس، واضعاً تصوراً لمجمع معماري «منظّم على الطريقة العربية» يشمل فضاءات عبادة، وإقامة، وحمّاماً، ومقهى ومكتبة، مع الاستعانة بفنانين وصنّاع من الجزائر وتونس والمغرب لنقل مفردات الزخرفة المغاربية إلى قلب الحي اللاتيني في باريس. هذا الخيار المعماري فتح الباب واسعاً أمام الخطاب الاستشراقي في الصحافة؛ فالتغطيات المتعاقبة في عشرينيات القرن الماضي ركّزت على «حدائق غامضة» و«ساحات عطرة» و«ساحات تشبه قصص ألف ليلة وليلة»، مقدّمة المسجد كفضاء فرجوي بقدر ما هو مكان عبادة. يسجل هذا التناول الصحفي المبكر لحظة تأسيس «تمثيل بصري» للإسلام في باريس، حيث يُختزل حضور المسلمين في صور شرقية رومانسية تخدم جاذبية العاصمة بقدر ما تخدم المنطق الإمبراطوري.



نقد الصحافة اليسارية والعمالية



بالتوازي مع هذا الاحتفاء الجمالي، دوّنت صحف أخرى تحفظات سياسية واجتماعية على المشروع. فـ«لو تون» مثلاً طرح سؤال جدوى تخصيص موارد مالية كبيرة لمبنى في باريس بدل الاستثمار في التعليم والحقوق المدنية في القرى الكولونيالية ذات المساجد المتواضعة، مستحضرًا الفجوة بين رمزية الصرح في العاصمة وواقع الحياة اليومية في المستعمرات. أما جريدة «لوماتينيتيه» و«لومانتيه» الناطقة بلسان الحركة العمالية، فربطت بين بناء المسجد والتحالف بين الحكومة الفرنسية وقادة محليين في شمال إفريقيا، متهمة المشروع بتحويل الدين إلى أداة استيعاب سياسي للعمال المهاجرين بدل تمكينهم الاجتماعي. في هذا السياق، عبّر بعض العمال الجزائريين المشاركين في الورش عن رفضهم لمسجد يعتبرونه «مُسخّراً» لخدمة الهيمنة الإمبراطورية أكثر من كونه استجابة ذاتية لحاجة دينية.



في الضفة الأخرى من الطيف السياسي الفرنسي، اعتبر «لوفيغارو» أن بناء المسجد خطوة استراتيجية لتثبيت «روابط دائمة» مع «العالم الإسلامي»، مشيراً إلى اعتبارات دفاعية تتعلق باحتمال الاعتماد على جنود من المستعمرات في نزاعات مستقبلية. استُحضر أيضاً تصاعد ما سُمّي آنذاك «الحركة البان-إسلامية» لتبرير ضرورة أن تُظهر فرنسا «حسن نية» تجاه المسلمين عبر صرح ديني بارز في العاصمة. هذا المنطق يُظهر كيف جرى استخدام الإسلام في خطاب السياسة الخارجية والأمنية، مع إسناد دور رمزي لمسجد باريس في معادلات القوة البحرية والعسكرية والتحالفات الإقليمية.


افتتاح 1926: احتفال رسمي وصعود المعارضة الاستعمارية



اكتمل البناء في صيف 1926، ونُظّمت مراسم الافتتاح في 15 تموز/يوليو بحضور رئيس الجمهورية غاستون دوميرغ والسلطان المغربي مولاي يوسف، في مشهد يجمع رأس الدولة الفرنسية بممثل سيادة مسلمة تحت سقف واحد، مع تأكيد رسمي على «صداقة» موصوفة بين فرنسا ومجتمعات المسلمين. في خطابه، ربط الرئيس بين تكريم الجنود المسلمين الذين سقطوا في الحرب وبين دعم الجمهورية «لكل الأديان»، مانحاً للمسجد دوراً تذكارياً وسياسياً في آن واحد. إلا أن هذا الاحتفال تزامن مباشرة مع اجتماع للعمال الشمال إفريقيين في «لا غرانج أو بيل» حيث هاجم مسالي الحاج ما سمّاه «مسجداً للإعلان» في أول ظهور علني لـ«النجمة الشمالية الإفريقية»، لتتحوّل الذكرى الافتتاحية إلى نقطة تلاقٍ بين تأسيس مؤسسة دينية رسمية وبروز حركة سياسية مناهضة للاستعمار.


«من يستعمر من؟» — شارل موراس، 1926

على يمين الخريطة السياسية الفرنسية، وظّف مفكرون قوميون مثل شارل موراس افتتاح المسجد للتعبير عن قلق هوياتي حاد، سائلين بصياغة استفهامية حادّة عمّن يستعمر مَن، في إشارة صريحة إلى خوف من «استبدال» سكاني أو ثقافي قبل عقود طويلة من انتشار هذا التعبير في الخطاب العام المعاصر. يكشف هذا الأرشيف الصحفي أن المسجد كان منذ بدايته محور خطاب متضارب: أداة لتثبيت سردية «التسامح» الجمهورية، ورمزاً لاستمرار العلاقات الإمبراطورية، ومرآة لقلق يميني حول حضور الإسلام داخل الفضاء الوطني، وفي الآن نفسه محفّزاً على تنظيم احتجاجي بين العمال المهاجرين.



من الذاكرة الاستعمارية إلى خطاب اليوم


بعد قرن من تلك اللحظة، يُعاد استثمار التاريخ المؤسِس للمسجد في خطاب رسمي يقدّمه «كنزاً معمارياً وثقافياً في خدمة العيش معاً» و«رمزاً لاندماج الإسلام في الفضاء الفرنسي»، كما يبرز في تصريحات الهيئة المسؤولة عن المسجد ومعالجات صحف مثل «لا كروا». تواكب الذكرى المئوية إصدار أعمال توثيقية حول «مئة حدث في مئة عام»، أقلها كتاب جديد للشيخ شمس الدين حفّاظ، وترتيبات احتفالية رسمية يحضرها وزراء وشخصيات دينية، مع ترميز المسجد كمؤسسة وسيطة بين الدولة والجماعات المسلمة. غير أن الأرشيف المتعلق بظروف نشأة هذا الصرح، كما تظهره مواد منصات أرشفة الصحافة التاريخية، يذكّر بأن هذه المؤسسة ولدت من صلب تعقيدات الاستعمار والعلمانية والتمثيل السياسي، وأن قراءتها اليوم تحتاج إلى وصل بين خطاب التعايش المعاصر وذاكرة الحروب، والعمل القسري، والمنافسة بين مشاريع ضبط الإسلام أو تمثيله ذاتياً في فرنسا.