وهم الوعي في الذكاء الاصطناعي: بين اختبار تورينغ وإسقاطات الإنسان

أضيف بتاريخ 08/05/2026
دار سُبْحة

يتجدد الجدل حول ما إذا كانت أنظمة الذكاء الاصطناعي قادرة على امتلاك وعي حقيقي كلما ظهرت تقنيات محادثة أكثر تطورًا. هذا النقاش تصاعد مؤخرًا عقب تصريحات مهندس في غوغل اعتبر أنه يتفاعل مع كيان واعٍ عبر نموذج لغوي متقدم، وهي واقعة أعادت إلى الواجهة أسئلة فلسفية قديمة حول طبيعة الوعي وحدود الآلة. في هذا السياق، ترى الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي جيادا بيستيلي أن كثيرًا من هذا الجدل يقوم على سوء فهم عميق لطبيعة هذه الأنظمة، وعلى ميل بشري متجذر لإسقاط الصفات الإنسانية على كيانات غير واعية.



تاريخيًا، لم يكن الربط بين الآلة والتفكير جديدًا. ففي مقاله الشهير «الحوسبة والذكاء» عام 1950، اقترح آلان تورينغ اختبارًا قائمًا على ما سماه «لعبة التقليد»، حيث لا يُقاس ذكاء الآلة بامتلاكها وعيًا، بل بقدرتها على إقناع الإنسان بأنه يتفاعل مع كائن بشري. هذا التحول من سؤال «هل تفكر الآلات؟» إلى «هل يمكنها محاكاة التفكير؟» أسّس لنهج براغماتي ما زال يحكم تطوير النماذج اللغوية حتى اليوم. غير أن إعادة تأويل أفكار تورينغ لاحقًا ساهمت في تضخيم البعد الأنثروبومورفي، خصوصًا مع استخدام مصطلحات مثل «التعلم» و«النية» و«الشبكات العصبية».


من منظور فلسفة العقل، يبقى مفهوم الوعي نفسه إشكاليًا. فقد وصفه الفيلسوف توماس ناغل في مقاله «كيف يكون أن تكون خفاشًا؟» بأنه تجربة ذاتية لا يمكن اختزالها في أوصاف موضوعية، وهو ما يُعرف بمفهوم «الكواليا». هذا الطابع الذاتي يجعل من الصعب، إن لم يكن مستحيلًا، إثبات وجود وعي لدى كيان غير بشري، سواء كان حيوانًا أو آلة. وعندما ننتقل إلى النماذج اللغوية، فإننا نتعامل مع أنظمة مدربة على بيانات تمثل جزءًا محدودًا من الواقع، وقادرة على توليد استجابات تحاكي اللغة البشرية بدقة عالية، دون أن يعني ذلك امتلاك تجربة داخلية أو إدراك ذاتي.


تفسر بيستيلي تفاعلات بعض المستخدمين مع هذه الأنظمة من خلال مفهوم «الإسقاط» النفسي، حيث يميل الإنسان إلى إضفاء مشاعره ووعيه على الأشياء. يشبه ذلك ما يُعرف في علم النفس بـ«الشيء الانتقالي»، حيث يطور الطفل ارتباطًا عاطفيًا بجسم مادي يمنحه شعورًا بالأمان. في سياق الذكاء الاصطناعي، يصبح النموذج اللغوي وسيطًا لإسقاط المعاني والتجارب الإنسانية، خاصة عندما يتحدث بصيغة المتكلم ويعكس أنماطًا لغوية مألوفة.


هذا الالتباس بين المحاكاة والوعي يغذيه أيضًا خطاب إعلامي وشعبي يميل إلى الإثارة، ويستحضر سيناريوهات «الذكاء الفائق» والمنافسة بين الإنسان والآلة. غير أن هذا التصور، بحسب بيستيلي، يحجب القضايا الأكثر إلحاحًا، مثل التحيزات الخوارزمية، وتأثير هذه الأنظمة على سوق العمل، وإشكاليات العدالة الرقمية. فبدل التركيز على فرضيات مستقبلية غير مؤكدة، يصبح من الضروري تحليل الأثر الفعلي لهذه التقنيات التي باتت مدمجة في الحياة اليومية، من محركات البحث إلى المساعدات الرقمية.


تشير التقديرات إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة تعتمد على مليارات المعاملات وتُدرّب على كميات هائلة من البيانات النصية، ما يمنحها قدرة غير مسبوقة على توليد اللغة. لكن هذه القوة التقنية لا تعني بالضرورة انتقالًا نوعيًا نحو الوعي. بل يمكن اعتبارها تطورًا في تقنيات المحاكاة الإحصائية، حيث يتم التنبؤ بالكلمات بناءً على أنماط سابقة، دون فهم دلالي حقيقي بالمعنى الفلسفي.


في هذا الإطار، يصبح دور الباحثين والإعلاميين محوريًا في تفكيك هذا «الغموض المصطنع» المحيط بالذكاء الاصطناعي. فالتحدي لا يكمن فقط في تطوير التكنولوجيا، بل في كيفية تقديمها وتفسيرها للجمهور. إذ إن تضخيم قدرات هذه الأنظمة قد يؤدي إلى مخاوف غير مبررة أو إلى ثقة مفرطة، وكلاهما يعيق نقاشًا عقلانيًا حول استخدامها.


 يظل السؤال حول إمكانية تطوير «ذكاء اصطناعي واعٍ» مفتوحًا، لكنه في الوقت الراهن أقرب إلى فرضية فلسفية منه إلى مشروع تقني ملموس. وبينما يستمر هذا النقاش، يبدو أن الأولوية يجب أن تُمنح لفهم العلاقة بين الإنسان وهذه الأدوات، بدل البحث عن وعي قد لا يكون موجودًا أصلًا. فحتى الآن، الكيان الوحيد الذي يمكننا الجزم بامتلاكه وعيًا هو الإنسان نفسه، بكل تعقيداته وحدوده.