رحلة أيان حرسي علي من التدين إلى الإلحاد

أضيف بتاريخ 05/10/2026
دار سُبْحة

تبحث دراسة للكاتبة إيفا لاندا في التحول الذي عرفته أيان حرسي علي من تنشئة دينية إسلامية محافظة إلى تبني الإلحاد، مستندة إلى مذكراتها الذاتية وإلى قراءة نفسية لمسارها العائلي والاجتماعي. وتوضح الدراسة أن هذا المسار لا يُختزل في الصدمات التي تعرضت لها، بل يرتبط، وفق فرضية الباحثة، بقدرتها المبكرة على ملاحظة التناقضات بين كلام الكبار والواقع، وبمساحة من التشجيع أتاحها لها والدها رغم تعقيد علاقته بالعائلة.



ولدت حرسي علي في الصومال لأسرة عاشت تنقلات متعددة بين السعودية وإثيوبيا وكينيا، قبل أن تعود إلى الصومال في مرحلة اشتداد الحرب الأهلية. وقد غادرت لاحقا إلى هولندا هربا من زواج رتبه لها والدها، ثم أصبحت عضوا في البرلمان الهولندي وانخرطت في الدفاع عن قضايا النساء المهاجرات ومناهضة ختان الإناث. وتقرأ لاندا هذا المسار باعتباره انتقالا شاقا من الانتماء الديني والجماعي إلى بناء استقلال فردي وفكري.


تتوقف الدراسة مطولا عند العلاقة بالأم، بوصفها رابطة مركبة تجمع الحماية والعنف. فالأم التي أنقذت ابنتها الوليدة، وفق ما ترويه حرسي علي عن ولادتها المبكرة، ظلت في الوقت نفسه تمثل سلطة دينية صارمة مارست العقاب الجسدي في ظروف عائلية مضطربة. وتربط لاندا بين هذه العلاقة المبكرة وبين قدرة حرسي علي على الاحتفاظ بصورة أم حامية، حتى في لحظات القسوة، وعلى تفسير عنفها بوصفه مرتبطا بتعاسة الأم وخيباتها أكثر منه بكراهية ابنتها.


كما تمنح الدراسة دورا مهما للأب، المعارض السياسي الذي شجع بناته على التعليم وعلى طرح الأسئلة، ورفض ختانهن. غير أن رفضه لم يمنع الجدة من تنظيم ختان أيان وشقيقتها هويّا في غيابه وغياب الأم. وتعرض لاندا هذه التجربة باعتبارها من العناصر المؤثرة في وعي حرسي علي بموقع النساء داخل منظومة اجتماعية تتداخل فيها الأعراف العشائرية والدينية وضبط الجسد والجنسانية.


وتشير الدراسة إلى أن حرسي علي لم تنتقل مباشرة من التدين إلى رفض الدين، بل عرفت في مراهقتها مرحلة التزام متشدد. فقد تأثرت بمعلمة قدمت لها تعليما دينيا أكثر تنظيما، فارتدت الحجاب وتبنت فكرة الخضوع الكامل للإرادة الإلهية، قبل أن تنخرط في حلقات شبابية إسلامية ناقشت كتابات حسن البنا وسيد قطب. وفي تلك الفترة، ظهرت لديها ميول نحو تصور جهادي يعتبر العنف وسيلة للدفاع عن الإسلام وإقامة نظام ديني شامل.


لكن هذا الالتزام لم يلغ أسئلتها. فالنص يبين أن حرسي علي ظلت تواجه صعوبة في التوفيق بين قواعد دينية صارمة وبين رغبتها في أن تكون فردا مستقلا، وأنها لم تجد في الصلاة التجربة الروحية التي بدت متاحة لبعض من حولها. كما لعبت قراءاتها للروايات الغربية، وما وجدته فيها من صور للمساواة والاختيار وحلول أخلاقية أكثر تعقيدا، دورا في توسيع المسافة بينها وبين التصورات التي تلقتها في محيطها.


وترى لاندا أن فرار حرسي علي إلى هولندا كان نقطة حاسمة في هذا المسار. فقد مكّنها من الابتعاد عن الزواج المفروض، ومن اكتشاف بيئة ربطتها بحرية التعبير والتعليم والاختيار في الحياة الخاصة. غير أن هذا القرار قاد أيضا إلى قطيعة مع جزء من العائلة والعشيرة، وإلى تهديدات لاحقة ارتبطت بمواقفها السياسية والفكرية.


وتخلص الدراسة إلى أن تحول حرسي علي لا يُفسر بعامل واحد، بل بتداخل تجربة العنف، والرابط العاطفي بالأم، والدعم الجزئي من الأب، والقراءة، والمنفى، والتوتر المستمر بين الانتماء للجماعة والحاجة إلى الاستقلال. وتعرض لاندا الإلحاد في هذه الحالة باعتباره اختيارا شخصيا تشكل عبر مقاومة التناقض بين العالم المطلوب من الفرد أن يراه والعالم الذي يختبره في حياته.