دانيال هرفيو-ليجيه: الدين والطائفة والخرافة ألفاظ ملتبسة

أضيف بتاريخ 07/10/2026
دار سُبْحة

الدين والطائفة والخرافة: حدود الألفاظ


تتناول عالمة الاجتماع الفرنسية دانيال هرفيو-ليجيه الإشكالات التي تحيط باستعمال ألفاظ الدين والطائفة والخرافة، معتبرة أن هذه الكلمات لا تؤدي وظيفة وصفية محايدة فحسب، بل ترتبط أيضاً بسياقات اجتماعية وسياسية وثقافية تحدد ما يُعترف به وما يُستبعد. وفي حوار منشور عام 2013، تدعو إلى التعامل الحذر مع هذه المصطلحات، لأن معناها المتداول يختلف غالباً عن استعمالاتها العلمية في علم الاجتماع.



وتوضح هرفيو-ليجيه أن مفهوم الدين ظل عصياً على تعريف علمي جامع. فاستعماله في اللغة اليومية يحيل عادة إلى الديانات الكبرى، بينما سعت سوسيولوجيا الأديان، ولا سيما في فرنسا منذ منتصف القرن العشرين، إلى تجاوز هذا الحصر عبر دراسة الظواهر الدينية في الأزمنة والمجتمعات كافة. وقد اختيرت صيغة الجمع، أي سوسيولوجيا الأديان، للتخلي عن المقاربات التي كانت تركز على الكاثوليكية أو على التقاليد الدينية التاريخية وحدها، من دون تبني تعريف فلسفي أو لاهوتي شامل للدين.


وتفيد الباحثة بأن سؤال التعريف عاد بقوة خلال سبعينيات القرن الماضي. فقد أظهرت التحولات الاجتماعية أن التحديث والعقلنة لم يؤديا إلى اختفاء الاعتقاد الديني كما افترضت بعض نظريات العلمنة. كما برزت قدرة ممارسات شعبية، مثل الحج وطقوس التداوي، على التجدد داخل مجتمعات تراجعت فيها الممارسات المرتبطة بالمؤسسات الدينية. وفي الوقت نفسه، ظهرت حركات وروحانيات جديدة داخل المجتمعات الحديثة، ولم تعد الظواهر الدينية محصورة في الأطر التاريخية المعروفة أو في المجال الخاص.


وفي مواجهة الجدل بين من يعرّفون الدين من خلال مضمون المعتقدات ومن يركزون على وظائفه الاجتماعية، تقترح هرفيو-ليجيه مقاربة بنائية تستند إلى فكرة الاستمرارية مع تقليد. فالدين، في تصورها، يتصل بسلسلة من الذاكرة وبنقل اعتقاد يُقدَّم بوصفه صحيحاً عبر جماعة أو سلطة تمنحه مشروعية. ويسمح هذا المنظور برصد سمات دينية بدرجات متفاوتة في مجالات مثل السياسة والفن والرياضة والعلوم، من دون تحويل كل نشاط اجتماعي إلى دين بالمعنى الكامل للكلمة.


وترى الباحثة أن بعض الجماعات التي تطالب بالاعتراف بها كأديان قد تفعل ذلك ضمن استراتيجيات سياسية أو اقتصادية، بهدف اكتساب المزايا القانونية والاجتماعية المرتبطة بالصفة الدينية أو حماية نفسها من النقد. لذلك، تقترح تجاوز البحث عن ملصق رسمي يحدد ما إذا كانت الجماعة دينية أم لا، والانصراف إلى تحليل أنماط التنظيم والاعتقاد وعلاقتها بالمجتمع.


وفي السياق الفرنسي، تربط هرفيو-ليجيه مكانة الدولة في هذه النقاشات بتاريخ طويل يربط الدين بالنزاع والعنف، وبالمسار الخاص لعلاقة الدولة بالجمهورية والكنيسة الكاثوليكية. وتلفت إلى أن الخوف من الدين يمكن أن يدفع إلى تفسير مظاهر العنف الاجتماعي تفسيراً دينياً مبسطاً، مع إغفال عوامل أخرى، مثل البطالة وتدهور ظروف العيش وعزل الفئات الهشة. كما تشير إلى أن هذا المنطق قد يفضي إلى التمييز بين أديان مألوفة تُعد قابلة للاندماج في الديمقراطية، وأديان أخرى تُصوَّر باعتبارها خطراً بطبيعتها.


أما لفظ الطائفة، فتؤكد أن له معنى تقنياً في أعمال ماكس فيبر وإرنست ترولتش، إذ يشير إلى نمط من التنظيم المسيحي يختلف عن نمط الكنيسة. فالكنيسة تتجه إلى استيعاب أكبر عدد من الأتباع ضمن متطلبات قابلة للتوفيق مع العالم، فيما تقوم الطائفة على جماعة من المتحولين الملتزمين بمقتضيات أكثر تشدداً. غير أن هذا المعنى السوسيولوجي فقد فاعليته في اللغة العامة، حيث صار اللفظ مرادفاً لجماعة خطرة ومهددة لأعضائها وللمجتمع.


وتخلص هرفيو-ليجيه إلى أن لفظ الخرافة لا يقل التباساً. فهو يُستخدم غالباً لوصف معتقدات لا تحظى بقبول ثقافي أو لا تنسجم مع ما تعتبره جماعة ما معقولاً. لكن الفاصل بين الاعتقاد والخرافة لا يقوم، في رأيها، على معيار موضوعي ثابت، بل على مقدار الاعتراف الثقافي الذي يحظى به الاعتقاد داخل مجتمع محدد. ومن ثم، لا تسعى المقاربة السوسيولوجية إلى منح المعتقدات شهادات احترام أو نزعها عنها، بل إلى فهم شروط قبولها أو رفضها داخل المجال الاجتماعي.