بعد أيام من الانتخابات التشريعية الإسرائيلية التي جرت يوم 27 أكتوبر 2026، نشرت مجلة «كورييه إنترناسيونال» الفرنسية ترجمةً لمقال تحليلي كتبه الصحفي بكر زعبي لموقع «+972 ماغازين»، يحاول فيه تفسير الإقبال غير المسبوق للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل على صناديق الاقتراع. فقد بلغت نسبة مشاركتهم نحو 80 في المئة، وهي الأعلى منذ عقود، متجاوزة المعدل الوطني الذي استقر في حدود 77.7 في المئة، بحسب الأرقام المعلنة مساء الاقتراع.
رقم قياسي في الكنيست
حصدت القائمتان العربيتان، «القائمة المشتركة» و«القائمة العربية الموحدة» (راعم) بزعامة منصور عباس، 19 مقعداً من أصل 120 في الكنيست، محطّمتين الرقم القياسي السابق البالغ 15 مقعداً عام 2020، وفق ما أورده موقع «نيو لاينز». وكانت استطلاعات الرأي قد توقعت ارتفاع المشاركة إلى حدود 70 في المئة، فجاءت النتائج أعلى بكثير. ويكتب زعبي، الذي يقول إنها الانتخابات التاسعة التي يشارك فيها والثامنة التي يغطيها صحفياً، أنه لم يشهد من قبل مثل ما رآه يومها.
من اللامبالاة إلى «بالطبع سأصوّت»
في الاستحقاقات السابقة، كان الكاتب يسمع عبارات تنمّ عن اليأس: لا أحد يستحق الصوت، الجميع خذلونا، والدولة ستفعل ما تريد في كل الأحوال. أما هذه المرة فقد غابت تلك الردود تقريباً، وحلّت محلها إجابة تتكرر: سأذهب للتصويت. ويتوقف عند الناصرة، كبرى المدن العربية في إسرائيل، التي لم تتجاوز المشاركة فيها 48 في المئة في الانتخابات الماضية، ثم مرّت بأزمات متلاحقة عمّقت النفور من السياسة والسياسيين. وفي هذا الاقتراع، رأى في بعض البلدات نساءً تجاوزن التسعين يقصدن مكاتب التصويت.
ويشرح أن الروابط المحلية تشكّل قوة حاسمة في المجتمع العربي، ولذلك ظلّت المشاركة في الانتخابات البلدية أعلى بكثير منها في التشريعية، لأن الناس يعرفون المرشحين وعائلاتهم ويلمسون أثر رئيس البلدية في حياتهم اليومية. غير أن انتخابات الكنيست بدت هذه المرة، على حد تعبيره، أشبه بحملة محلية، إذ صارت الحكومة والائتلاف والبرلمان قريبة من الناس على نحو مفاجئ.
بن غفير وسموتريتش: محرّكان غير متوقَّعين
لا ينكر الكاتب فضل المرشحين والناشطين المحليين وفرق الحملات الذين عملوا ميدانياً وعبر الهاتف ومنصات التواصل لرفع المشاركة، لكنه يرى أن ذلك وحده لا يفسّر هذا التحول بعد سنوات من العزوف. ففي تقديره، كان الوزيران من اليمين المتطرف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش أكثر من أسهم، من غير قصد، في تحويل الاقتراع إلى شأن محلي، بعدما أدخلت سياساتهما وتصريحاتهما السياسة الوطنية إلى كل بيت عربي تقريباً.
ويعدّد زعبي ما يراه أسباباً لذلك: موجة الجرائم العنيفة التي اجتاحت البلدات العربية خلال السنوات الأربع الأخيرة، وشعور كثيرين بأن الدولة تخلّت عنهم، إذ تشير بيانات جمعتها منظمة «جي ستريت» إلى مقتل 252 مواطناً عربياً عام 2025، في أكثر السنوات دموية على الإطلاق بالنسبة إلى هذا المجتمع. ويضيف إلى ذلك هدم المنازل الذي لم يعد مسألة نظرية، وخطاب سموتريتش عن «تهويد» الجليل والنقب، وهي الأرض التي يعيش عليها مئات الآلاف من المواطنين العرب. ويستشهد الكاتب بمقطع دعائي يقول إن سموتريتش نشره قبل شهرين من الاقتراع، وأُنتج بالذكاء الاصطناعي، مرفقاً بعبارة مفادها أن «أحمد محقّ في أن يخاف»، ليعلّق بأن أحمد ربما كانت لديه أسباب للخوف، لكن لديه أيضاً حق التصويت، وقد مارسه.
تحريض واتهامات بعد الاقتراع
ويرى الكاتب أن التحريض على العرب صار أمراً مألوفاً، بل جزءاً من الهوية السياسية لبعض وزراء الحكومة المنتهية ولايتها، وأن مجرد ممارسة المواطنين العرب لأبسط حقوقهم الديمقراطية قُدّم يوم الاقتراع على أنه تهديد. ويشير إلى أن حزب الليكود، بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ادّعى أن الانتخابات «سرقتها الأحزاب العربية»، وهو ادعاء يؤكد الكاتب أنه أُطلق من دون أي دليل.
الاغتراب دافعاً إلى المشاركة
يتوقف التحليل عند مفارقة لافتة: فالسنوات الأخيرة لم تقرّب المجتمع العربي من الدولة، بل زادت المسافة بينهما. ويعدّد الكاتب في هذا السياق ما يصفه بالإبادة في غزة والتطهير العرقي في الضفة الغربية، والتحريض، والقيود المفروضة على التعبير عمّا يعيشه الشعب الفلسطيني، إلى جانب الجريمة وانعدام الأمن، وكلها عوامل يرى أنها قوّضت الثقة في مؤسسات الدولة ونظامها السياسي.
لكن هذا الشعور بالاغتراب نفسه، في رأيه، هو ما دفع الناس إلى التصويت بكثافة. ولا يرى في ذلك تناقضاً: فليس من الضروري أن يؤمن المرء بنظام سياسي كي يستخدم الأدوات التي يتيحها له، ويمكنه أن يشكّ في قدرة أي حكومة على حل مشكلاته، وأن يقرر مع ذلك ألّا يبقى في بيته بينما يطالب بن غفير وسموتريتش بأربع سنوات أخرى في السلطة.
من الأمل إلى العزيمة
ويخلص زعبي إلى أن الفارق الأكبر بين هذا الاقتراع وما سبقه يكمن في طبيعة الدافع. ففي الماضي كان الأمل هو المحرّك: أمل في تمثيل عربي أفضل وفي أن يحدث شيء جديد. أما هذه المرة، فرغم حضور الأمل، كان الشعور الطاغي هو العزيمة؛ فالناس ليسوا بالضرورة مقتنعين بقدرة مرشح بعينه على تحسين حياتهم، لكنهم يعرفون ما لم يعد بالإمكان أن يستمر.
ويذكّر الكاتب بأن الحديث ظل لسنوات يدور حول تفكك المجتمع العربي في الداخل، وكيف حوّلت الجريمة واليأس جماعة تشعر بمصير مشترك إلى مجموعات منشغلة ببقائها. وفي ذلك اليوم، يقول، رأى شيئاً مختلفاً: مئات الآلاف قرروا، رغم خلافاتهم حول الهوية الوطنية والتحالفات السياسية وحدود العمل داخل الكنيست، أن يخوضوا معاً ما يصفه بـ«معركة وجودية». ويختم بأن من أرادوا للعرب أن يخافوا ويضعفوا وييأسوا حتى يلزموا بيوتهم، اكتشفوا أن الخوف واليأس لا يقودان دائماً إلى الصمت.


