منذ سبعينيات القرن الماضي تحوّل الصراع في فيتنام إلى مادة أساسية للسينما الأميركية، فخرجت أعمال روائية كبرى حاولت مقاربة التجربة القتالية والنفسية والاجتماعية لجيل كامل من الجنود والمجتمعات المتأثرة بالحرب. وبينما تناولت مئات الأفلام هذه المرحلة، استقرت عدد من العناوين في ذاكرة الثقافة البصرية باعتبارها مرجعاً رئيسياً لفهم تمثّل هوليوود لتلك الحرب وتعقيداتها.
يأتي فيلم «صائد الغزلان» The Deer Hunter، الذي عُرض عام 1978 من إخراج مايكل تشيمينو وبطولة روبرت دي نيرو وميريل ستريب وكريستوفر واكن، بوصفه أحد أول الأعمال التي تعاملت مع الحرب من زاوية آثارها العميقة على مجتمع محلي من العمال الأميركيين من أصول سلافية. يتابع العمل مسار مجموعة من الأصدقاء قبل التجنيد وفي ساحات القتال ثم بعد العودة، في بنية درامية طويلة توزّع حضور الحرب بين الجبهة والبيت والذاكرة الشخصية. حاز الفيلم ثلاث جوائز أوسكار، بينها جائزة أفضل فيلم، وأسّس لموقع تشيمينو ضمن موجة المخرجين الذين جعلوا فيتنام محوراً لقراءة التحولات في الولايات المتحدة خلال نهاية السبعينيات.
بعد عام واحد فقط، قدّم فرانسيس فورد كوبولا «القيامة الآن» Apocalypse Now، المستلهم بشكل حر من رواية «قلب الظلام» لكونراد، لكن منقولاً إلى دلتا نهر ميكونغ والعالم المتشظي للوحدات الأميركية في عمق الأراضي الفيتنامية. يستند الفيلم إلى رحلة ضابط مكلف بملاحقة قائد ميداني متمرّد، ليتحوّل المسار النهري إلى استكشاف بصري وفلسفي لفكرة الانهيار الأخلاقي والفوضى التي تخلّفها الحرب الحديثة. الصور السريالية، والاستخدام الكثيف للصوت والموسيقى، واشتباك الفيلم مع سياسة القوة الأميركية جعلته من أكثر الأعمال حضوراً في قوائم أعظم الأفلام في تاريخ السينما، وليس فقط ضمن أفلام الحرب. ورغم الإنتاج المضطرب والتصوير الطويل في الفيليبين، أصبح «القيامة الآن» مرجعاً أسلوبياً لأفلام الصراع المسلّح اللاحقة.
في أواخر الثمانينيات تحوّل فيتنام أيضاً إلى خلفية لعمل يمزج الكوميديا بالدراما عبر «صباح الخير، فيتنام» Good Morning, Vietnam الذي صدر عام 1987 وقام ببطولته روبن ويليامز في دور مذيع راديو عسكري يصل إلى سايغون. يبني الفيلم سرديته على شخصية تعتمد الفكاهة في برامجها الإذاعية الموجهة للجنود، مقابل مؤسسة عسكرية تسعى إلى ضبط الخطاب الإعلامي الرسمي. هذا التوتر بين الضحك والرقابة، وبين محاولة التخفيف من وطأة الحرب عبر النكتة وبين الواقع المتصاعد في الخارج، جعل العمل نموذجاً لتناول الصراعات المسلحة من منظور إعلامي وثقافي. كما ثبّت شخصية المذيع العسكري في المخيال المرتبط بالحرب، إلى جانب شخصية الجندي المقاتل.
في العام نفسه، أصدر ستانلي كوبريك «سترة معدنية كاملة» Full Metal Jacket، الذي انقسمت حبكته إلى قسمين واضحين: تدريب قاسٍ في قاعدة بحرية أميركية، ثم الانتقال إلى ساحات القتال في فيتنام. يركّز الجزء الأول على العلاقة بين المجندين والمدرّب الصارم وآليات تشكيل الجندي عبر الانضباط والعقاب اللفظي والجسدي، بينما يقدّم الجزء الثاني صورة مدينة محطّمة ومعارك شوارع، في رؤية بصرية مدروسة بدقة، كما عُرف عن كوبريك. هذا البناء الثنائي ساعد على إبراز الرابط بين بنية المؤسسة العسكرية وطبيعة العنف على الجبهة، ما جعل الفيلم مرجعاً في تحليل ثقافة التدريب العسكري الأميركية خلال الحرب الباردة. كما انضم العمل سريعاً إلى لائحة الأفلام الأكثر حضوراً في النقاشات الأكاديمية حول تمثيل الجنود في السينما.
بعد عقود على انتهاء الحرب، عاد المخرج سبايك لي إلى فيتنام في فيلم «دا فايف بلادز» Da 5 Bloods عام 2020، ليتناول قصة مجموعة من الجنود الأميركيين السود الذين يعودون إلى البلد الذي خدموا فيه بحثاً عن رفيق مفقود وكنز مدفون. يستحضر الفيلم عبر مشاهد الاسترجاع تجربة الجنود السود في حرب اتسمت بعدم المساواة في نسب التجنيد وسياقات المشاركة، بالتوازي مع توتر اجتماعي داخل الولايات المتحدة نفسها. يستخدم سبايك لي مزيجاً من المواد الأرشيفية والصيغ الروائية التقليدية ليضع الحرب في علاقة مباشرة مع قضايا الذاكرة والعدالة والتمييز العرقي، ما أتاح تعاملاً مختلفاً مع الإرث الفيتنامي في السينما الأميركية المعاصرة. وبتقديم شخصيات تعود إلى ساحة الصراع بعد عقود، يربط الفيلم بين زمن الحرب وزمن اليوم بطريقة تسمح بإعادة قراءة التاريخ من منظور جيل لاحق.
تتكرر بعض هذه العناوين في قوائم متعدّدة لأبرز أفلام حرب فيتنام لدى مؤسسات سينمائية ومواقع متخصصة مثل معهد الفيلم البريطاني وHistory Hit، ما يعكس مكانتها المتراكمة في الذاكرة الثقافية. كما تُدرج هذه الأعمال باستمرار في فهارس أوسع للأفلام التي تناولت الحرب، مثل قائمة الأفلام المتعلقة بحرب فيتنام، إلى جانب عناوين أخرى من بينها «فصيلة» Platoon و«مولود في الرابع من يوليو». هكذا تشكّل الأفلام الخمسة المذكورة محوراً يمكن من خلاله تتبّع تحولات النظرة الأميركية إلى الحرب، من صدمة الجبهة والعودة الصعبة، إلى التساؤلات الفلسفية حول عنف الدولة، وصولاً إلى إعادة تقييم دور الفئات المهمّشة داخل الجيش. وبالنسبة للمهتمين بتاريخ السينما والحروب معاً، تبدو هذه الأعمال نقطة انطلاق أساسية لمقاربة علاقة الذاكرة البصرية بالصراعات المسلحة خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

