تستقبل القاعات الألمانية، ابتداء من 29 أكتوبر 2026، الفيلم الإسباني «أيام الآحاد» (Los domingos)، الذي يُعرض هناك بعنوان «إيمان» (Glaube). وفي مراجعة نشرها الموقع الكاثوليكي الألماني «كاتوليش.دي»، يقرأ الناقد يوزف ليدرله هذا العمل للمخرجة الباسكية ألاودا رويث دي أثوا بوصفه دراما عن حق الإنسان في تقرير مصيره بنفسه، في مواجهة ما يريد الآخرون أن يقرروه نيابة عنه.
دعوة تهز العائلة
أينارا (بلانكا سورووا) تلميذة ذكية ومتقدة في السابعة عشرة، تدرس في ثانوية تديرها راهبات بمدينة بلباو، وتقترب من امتحانات نهاية الدراسة الثانوية. ومنذ مدة، تفكر في الالتحاق برهبنة نسائية من دون أن تفاتح عائلتها في الأمر. وتكون عمتها مايتي (باتريسيا لوبيث أرنايث)، التي رافقتها بكثير من القرب والحنان منذ وفاة والدتها، أول من تبوح لها بأنها تشعر بأن الله يدعوها. ويشع وجه الفتاة وهي تتحدث، فلا تجرؤ العمة، التي لا تربطها بالدين ذكريات طيبة، إلا على السؤال بحذر عن ظروف هذا الاختيار غير المألوف.
ويبدو قلق مايتي مبررا في نظرها، إذ لا يظهر في محيط أينارا من «يرافق» قرارها سوى كاهن شاب في المدرسة ورئيسة الدير الذي زارته الفتاة مرارا. لذلك تستغل العمة لقاءات العائلة الكبيرة كل يوم أحد للضغط على شقيقها إينياكي (ميغيل غارثيس)، والد أينارا، كي يتصدى لخطط ابنته ويرسلها للدراسة في الخارج. لكن الأب منشغل بمطعمه المثقل بالديون وبامرأة جديدة في حياته، ولا ينفجر غضبه إلا عندما تضع ثقة ابنته الهادئة بنفسها سلطته موضع تساؤل. أما مايتي، فلا تترك وسيلة إلا جربتها، حتى إنها تتدخل في المدرسة، خاصة بعد أن تعلم بوجود زميل تهتم به ابنة أخيها، ميكيل (غيي ثاني)، الذي يغني معها في جوقة شبابية.
أغنية بدل الموسيقى التصويرية
من أجرأ اختيارات المخرجة، بحسب المراجعة، استغناؤها شبه التام عن الموسيقى التصويرية، وتركيزها على أغنية واحدة تتدرب عليها الجوقة الشبابية: نسخة جديدة من أغنية «Into My Arms» للمغني الأسترالي نيك كيف، يتردد أداؤها الصوتي من دون آلات بين حين وآخر في مجرى الأحداث. ويرى ليدرله أن قوة الأغنية لا تكمن في كلماتها بقدر ما تكمن في لحنها المعلّق، الذي يرسم إطارا يكاد يكون سحريا وروحيا، ويجعل المشاهد يتلمس العالم الباسكي الرطب والبارد والقليل البهجة الذي تعيش فيه الشخصيات.
وينسجم هذا الاستعمال المحسوب للأغنية مع الهدوء والدقة اللذين تدير بهما المخرجة موضوعات فيلمها المتعددة. فأينارا لا تحسم قرارها من دون صراع، لكنها لا تُظهر هذا الصراع للآخرين، بل تنصت إلى داخلها بحثا عن مزيد من الوضوح.
شخصيات تخفي هشاشتها
ولا تكشف أي شخصية أخرى دوافعها المتناقضة صراحة، مع أن الجميع يواجهون مخاوف وشكوكا وقرارات صعبة: فمايتي تعيش أزمة زوجية وشريكها عاطل عن العمل، وإينياكي غارق في مضارباته الخاسرة، وصديقته الجديدة لا تجد طريقا إلى قلب أينارا، والكاهن في المدرسة يتجاوز حدوده، ورئيسة الدير لا تحركها دوافع دينية خالصة.
ويستمد الفيلم تماسكه الدرامي، في رأي الناقد، من أداء ممثليه، وفي مقدمتهم بلانكا سورووا التي تشكل في أول دور سينمائي لها، وبعفوية لافتة، مركز السكون في العمل كله. ولا ينحاز الفيلم إلى أي طرف، فهو لا يسعى إلى تفسير دعوة أينارا ولا إلى التشكيك فيها، بل يراقب باهتمام الاضطراب الذي تثيره من حولها.
العائلة في قلب الحكاية
يشير العنوان الأصلي «أيام الآحاد»، كما يوضح ليدرله، إلى الإطار الديني للكاثوليكية الإسبانية، لكنه يشير أكثر إلى شكلها الاجتماعي القائم على روابط عائلية متينة. وينتهي الصراع مع هذه الروابط الخانقة بمونتاج ختامي جريء يقابل بين قراري أينارا ومايتي، ويفتح الباب لقراءات متعددة. أما العنوان الألماني «إيمان»، فيراه الناقد معبرا هو الآخر، لا بالمعنى الديني الصارم وحده، بل بمعنى أوسع: القدرة على الاتكال على شيء جوهري يبدو صادقا وعميق الإقناع، وهو ما يقوم عليه كل ثقة إنسانية أساسية.
ويجد الفيلم لذلك صورة لافتة: أينارا بزيها المدرسي الأزرق، معصوبة العينين وسط مقاعد الفصل، لا تهتدي إلا بنداءات زملائها. تتردد في البداية وتصارع ارتباكها، ثم تحسم أمرها وتسلم نفسها لتلك الأصوات.
مسار حافل بالجوائز
«أيام الآحاد» هو ثاني فيلم روائي طويل لألاودا رويث دي أثوا، المولودة عام 1978 في باراكالدو بإقليم الباسك، بعد «خمسة ذئاب صغيرة» (Cinco lobitos). وقد نال الصدفة الذهبية لأفضل فيلم في الدورة الثالثة والسبعين لمهرجان سان سيباستيان السينمائي في سبتمبر 2025، إلى جانب جوائز أخرى منها جائزة الاتحاد الدولي للنقاد السينمائيين (فيبريسي). ثم حصد خمس جوائز «غويا» عام 2026، بينها أفضل فيلم وأفضل إخراج، واستقطب في إسبانيا أكثر من 800 ألف مشاهد.
بطاقة الفيلم
- العنوان الأصلي: Los domingos (بالألمانية: Glaube، وبالإنجليزية: Sundays)
- الإخراج والسيناريو: ألاودا رويث دي أثوا
- التمثيل: بلانكا سورووا، باتريسيا لوبيث أرنايث، ميغيل غارثيس، خوان مينوخين، مابيل ريبيرا، ناغوري أرانبورو
- الإنتاج: إسبانيا وفرنسا، 2025
- العرض الأول: المسابقة الرسمية لمهرجان سان سيباستيان، سبتمبر 2025
- العرض في ألمانيا: ابتداء من 29 أكتوبر 2026

