سبيلبرغ وكاميرون الإبداع البشري والخيال الديني في عصر الذكاء الاصطناعي

أضيف بتاريخ 06/11/2026
Nour | نور

تتبلور في الخطاب العام لهوليوود خلال الأشهر الأخيرة معادلة معقدة تجمع بين التقنية والروح والخيال الديني، يظهر فيها ستيفن سبيلبرغ وجيمس كاميرون كحالتين نموذجيتين لمخرجين يتعاملان مع الذكاء الاصطناعي بحذر واضح، مع توظيف مفردات قريبة من الحقلين الفلسفي واللاهوتي. من جهة، يربط سبيلبرغ رفضه لإحلال الذكاء الاصطناعي محل الكتّاب والمخرجين بفكرة «الروح» البشرية التي لا يمكن تقليدها بخوارزمية، ومن جهة أخرى يصوغ كاميرون نقداً لبنية النماذج التوليدية نفسها، معتبراً أنها بطبيعتها تميل إلى إنتاج أعمال «متوسطة» لأنها تعيد تركيب كل ما سبق إنتاجه من نصوص وأداءات. هذه المواقف لا تبقى في حدود النقاش التقني، بل تدخل في صلب تأويلات دينية مسيحية معاصرة ترى في الخيال العلمي منصة لإعادة طرح سؤال الإيمان في عصر النماذج التنبؤية والبيانات الضخمة.


في خطاب سبيلبرغ، تبرز أولاً صورة غرفة الكتابة التي ترفض استقبال «كرسي سابع» يشغله حاسوب، إذ يشرح في حوارات حديثة أنه لا يريد رؤية نموذج توليدي يتعامل معه فريق الإنتاج ككاتب إضافي، حتى لو قَبِل باستخدام الذكاء الاصطناعي في مهام لوجستية مثل البحث عن مواقع التصوير أو تسريع بعض مراحل ما قبل الإنتاج. بالنسبة إليه، يكمن جوهر العمل الإبداعي في اللحظة التي يقرّر فيها المخرج والكاتب شكل الحوار، وطريقة بناء الشخصيات، ومسار الكاميرا، وهي لحظة يربطها مباشرة بمفهوم «الروح» بوصفها شيئاً لا يُختزل في إحصاءات نصية أو تحليل لأنماط الصور. من هنا تأتي جملته المتكررة حول «عدم وجود بديل للروح»، التي تُستخدم اليوم كمرجع في نقاشات مهنية حول حدود أتمتة الكتابة والإخراج في استوديوهات هوليوود.

لكن هذه اللغة لا تتحرك في فراغ تقني فقط، بل تتقاطع مع حساسية دينية متنامية في جزء من الفضاء المسيحي الناطق بالفرنسية، كما توضح قراءة نشرتها مجلة Tribune Chrétienne حول الخطاب الذي يرافق فيلم سبيلبرغ الجديد «Disclosure Day». يتوقف المقال عند كثافة تصريحات المخرج عن احتمال وجود حضارات غير بشرية، وعن السؤال الذي يطرحها بنفسه على المؤمنين: هل يكون الله إله هذه الكوكب وحده، أم إلهاً لكل نظام كوني توجد فيه حضارة؟ هذا الاستفهام، كما تُحلله المجلة، ليس مجرد فكرة تسويقية مرتبطة بالفيلم، بل محاولة لفتح أفق ديني جديد يُعاد فيه التفكير في علاقة الوحي والكون والإنسان، ما يدفع صاحب المقال إلى التساؤل عما إذا كان سبيلبرغ «يهيئ المسيحيين لدين جديد» أو على الأقل لتصور مغاير جذرياً لاهوتياً لما تعنيه العلاقة بين الخالق والمخلوق في كون متعدد العوالم.

على مستوى تاريخ أعمال سبيلبرغ، يجد هذا التأويل بعض عناصر السند في أفلام سابقة مثل «لقاءات قريبة من النوع الثالث» و«إي. تي.» و«A.I. Artificial Intelligence»، حيث تتخذ الكائنات غير البشرية والذكاء الاصطناعي أدواراً قريبة أحياناً من صورة «الآخر» الذي يعيد تعريف إنسانية الإنسان وإيمانه. تحليلات منشورة في دراسات حول «الذكاء الاصطناعي واللاهوت» ترى مثلاً أن تمثيل الكيانات الذكية المصنّعة في بعض هذه الأعمال يطرح سؤالاً قديماً بصيغة جديدة: إذا كان الإنسان قادراً على «خلق» كيان ذي وعي محتمل، فما طبيعة «الإله» الذي يمثله هذا الإنسان بالنسبة لمخلوقه الاصطناعي؟ في هذا السياق، تكتسب تصريحات سبيلبرغ عن الروح والذكاء الاصطناعي وحضارات الفضاء قيمة إضافية لأنها تربط مباشرة بين الخيال العلمي و«تصوّر الله» لدى جمهور واسع، كما تشير إلى ذلك مقالات وتحليلات لاهوتية وإعلامية متداولة في العالم المسيحي.

في المقابل، يتخذ خطاب جيمس كاميرون مساراً أكثر تقنية من حيث الشكل، لكنه يصل إلى نتائج قريبة من حيث الدفاع عن مركزية الإنسان في الإبداع. في مقابلات مع برامج مثل «Graham Bensinger Clips»، يشرح كاميرون أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعتمد على حشد كل السيناريوهات والأداءات المتاحة ضمن بيانات التدريب، ثم مزجها لاستنتاج مخرجات جديدة، معتبراً أن هذا المنطق يقود إلى «متوسط» إحصائي لا إلى فرادة جمالية. بالنسبة إليه، يكمن ما يميز السينما العظيمة في لحظات أداء لا يمكن توقعها سلفاً: طريقة غير متوقعة في نطق جملة، أو رد فعل عفوي من ممثل، أو قرار كتابي يخرج عن كل النماذج السابقة، وهي عناصر يرى أن النماذج التوليدية، بحكم تصميمها، تميل إلى تسويتها لا إلى إبرازها.

هذا الموقف يترافق مع رفض واضح لفكرة الممثلين المركّبين خوارزمياً أو «النجوم» الافتراضيين، التي يصفها كاميرون في تصريحات منسوبة إليه بـ«المزعجة» أو «المقلقة» عندما تُستخدم كبديل عن الأداء البشري. ورغم أنه يقر بأن بعض أشكال التعلم الآلي مفيدة بالفعل في تحسين سير العمل في المؤثرات البصرية وتقليل الكلفة، فإنه يصر على أن ما يسميه أحياناً «العمل المقدس» للكتابة والتوجيه والتعاون مع الممثلين يجب أن يبقى في أيدي البشر. على مستوى الاستقبال، تلقى هذه اللغة صدى لدى جمهور مسيحي أيضاً، حيث تتقاطع فكرة «قدسية الأداء» مع تصور لاهوتي للإبداع باعتباره استجابة لحضور معنوي يتجاوز الحساب البارد، حتى لو لم يقدّم كاميرون نفسه ضمن إطار ديني صريح.

عند جمع هذه الخيوط، يظهر أن موقفي سبيلبرغ وكاميرون يقدمان مادة غنية لقراءة ثلاثية الأبعاد: مهنية، حيث تُعاد صياغة حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في غرف الكتابة وغرف المونتاج؛ فلسفية، تربط ما يسمى «الروح» و«الفرادة» بحدود الخوارزمية؛ ولاهوتية، تستثمر هذا الخطاب لتجديد النقاش حول الإيمان في زمن يُتخيَّل فيه ذكاء غير بشري، سواء كان صناعياً أو فضائياً. بالنسبة لصانع محتوى أو باحث في الإعلام الديني والذكاء الاصطناعي، يتيح هذا التقاطع رصد كيفية تنقّل العبارات القوية مثل «لا بديل للروح» أو «الذكاء الاصطناعي لا ينتج سوى المتوسط» من منصات سينمائية وتقنية إلى فضاءات كنسية ولاهوتية، حيث يعاد تأويلها كعناصر في سردية أوسع عن موقع الإنسان في عالم يتقاسم فيه الخيال العلمي مع الخطاب الديني مهمة رسم ملامح المستقبل.