تتقدم السينما الإيرانية خلال الأعوام الأخيرة بوصفها أحد الفضاءات التي تستقبل موضوعات قرآنية وتعيد صياغتها في قوالب درامية متعددة، وهو ما تعكسه متابعة الإنتاجات التي تتناول مراحل مختلفة من التاريخ السياسي والاجتماعي الإيراني من زاوية قيم مستمدة من النص القرآني وتعاليمه الأخلاقية.
وتبدو هذه المقاربة أوضح في الأعمال التي تتناول الحرب العراقية الإيرانية، حيث يجري تصوير تضحيات المقاتلين وعائلاتهم ضمن بنية سردية تستحضر مفاهيم الشهادة والصبر والأمل والتمسّك بالعقيدة، مع الحرص على تقديم الشخصيات في إطار إنساني قريب من الحياة اليومية وليست مجرد رموز دعائية. وفي هذا الاتجاه، يقدّم فيلم «إله الحرب» مثالاً على معالجة سينمائية تعتمد أسلوباً أقرب إلى الوثائقي في استرجاع أهم محطات الحرب، مع التركيز على البعد الروحي الذي يحكم سلوك الأبطال في مواجهة الخطر.
هذا التوجه ليس جديداً تماماً في المشهد الإيراني، إذ إن عدداً من المخرجين الذين ارتبطت أسماؤهم بالسينما الواقعية بعد الثورة عملوا على إدماج الحقول الدينية والقرآنية في أعمالهم، لكن دون الإيحاء بوجود خطاب وعظي مباشر، بل من خلال حكايات بسيطة تنطلق من القرية أو الحي الشعبي أو الأسرة الصغيرة. وتكشف القراءة المتأنية لعدد من الأفلام الإيرانية البارزة أنّ الحضور القرآني لا يقتصر على مشاهد تلاوة أو أدعية، بل يتجلى في طريقة بناء الصراع، وفي الصياغة البصرية للخير والشر، وفي المسافة الأخلاقية التي تفصل بين استخدام العنف المشروع وبين الاعتداء. ولا تنفصل هذه الاختيارات الفنية عن سياق ثقافي وسياسي يعتبر القرآن مرجعاً مركزياً في تحديد هوية المجتمع، الأمر الذي يمنح المخرجين قاعدة جاهزة من الرموز والعلامات القابلة لإعادة التفسير على الشاشة.
وتشير تقارير إعلامية متخصصة في الشأن القرآني إلى أن عدداً من الأفلام الحديثة، سواء الطويلة الروائية أو القصيرة، يستلهم موضوعاته من قصص الأنبياء أو من مفاهيم مثل التوبة والعدل والرحمة، مع تحوير هذه العناصر لتناسب قضايا معاصرة مثل الفقر والهجرة الداخلية وتبعات الحرب والعقوبات الاقتصادية. ويظهر ذلك مثلاً في أفلام تتناول مصير المجنّدين الشباب أو العائلات التي فقدت أبناءها في الجبهات، حيث يتم استحضار آيات متصلة بالصبر والاحتساب كخلفية فكرية لسلوك الشخصيات، بينما تظل اللغة السينمائية ملتزمة بقواعد السرد الدرامي من دون انزلاق إلى خطاب وعظي مباشر. في المقابل، تميل أفلام أخرى إلى توظيف البناء الاستعاري، بحيث تتحول بعض المشاهد إلى إشارات بصرية لمفاهيم قرآنية، كتحويل الماء أو الشجرة أو الطريق إلى رموز دالة على النقاء أو الثبات أو الهداية.
هذا الحضور المتنامي للمفاهيم القرآنية في السينما الإيرانية يجد صداه أيضاً في مسار الأفلام التي تشارك في المهرجانات الإقليمية والدولية، حيث تحضر أعمال قصيرة وطويلة ذات مرجعية دينية واضحة في فعاليات عربية وأوروبية وآسيوية، مع حصول بعضها على جوائز تعكس اهتمام لجان التحكيم بالبعد الإنساني الذي تقدمه هذه الأفلام. فالفيلم القصير «خط الماء» الذي حاز جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الحادية عشرة لمهرجان واسط الدولي للأفلام الروائية القصيرة في العراق، يقدم مثالاً على كيفية الجمع بين حساسية فنية معاصرة وبين موضوع يتصل مباشرة بقيمة الإنسان في مواجهة ظروف قاسية، مع حضور ضمني لقيم قرآنية مثل الحفاظ على الحياة والإنصاف. وفي حالات أخرى، تندمج المفاهيم الدينية مع قضايا شديدة الحساسية كالعقوبة والإعدام وحرية الاختيار، كما في فيلم «لا يوجد شيطان» الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول تنفيذ أحكام الإعدام من خلال أربع حكايات مترابطة، ما يسمح بقراءة الفيلم ضمن أفق ديني وأخلاقي وإنساني في آن واحد.
كما ساهمت موجة الأفلام التي تعالج موضوع الحرب من زاوية إنسانية في بلورة ما يسميه بعض النقاد «سينما المقاومة البصرية»، حيث يتحول النص القرآني إلى مرجع غير مرئي يوجّه الكثير من اختيارات الشخصيات في لحظات الحسم. وتظهر هذه النزعة في أعمال تستعيد حياة الجنود بعد عودتهم من الجبهات أو معاناة الأسر مع ذاكرة الحرب، إذ تتقاطع قيم مثل الوفاء بالعهد وحفظ الأمانة ورفض الظلم مع خطوط الحكاية الرئيسية، فتبدو التجربة الشخصية مدموغة بمرجعية دينية من دون الإعلان عنها بشكل مباشر. ويلاحظ متابعو السينما الإيرانية أنّ هذه المعالجة لا تمنع الأفلام من الانفتاح على أسئلة اجتماعية وسياسية معاصرة، حيث يجري استثمار المرجعية القرآنية لإضفاء عمق إضافي على الشخصيات وليس لإغلاق المناقشة.
إلى جانب ذلك، تستفيد هذه الأعمال من شبكة مؤسسات ثقافية وإعلامية تعمل على تشجيع الإنتاج الفني المرتبط بالقرآن ومفاهيمه، من خلال مهرجانات وفعاليات وجوائز خاصة بالأفلام القصيرة والوثائقية والروائية ذات الطابع القرآني. وتتيح هذه المنصات لصنّاع الأفلام الشباب فرصة تقديم تجارب جديدة تمزج بين تقنيات السرد الحديثة والتصوير الرقمي من جهة، وبين موضوعات مستمدة من القصص القرآني والتأملات الروحية من جهة أخرى، ما يساهم في توسيع قاعدة الجمهور الذي يتابع هذا النوع من الأعمال. كما أن حضور هذه الإنتاجات على المنصات الرقمية ووسائل التواصل يسهّل وصولها إلى جمهور عربي وعالمي، سواء من خلال الترجمات النصية أو الدبلجة، ويعمّق في الوقت نفسه حضور المفاهيم القرآنية في فضاء بصري عابر للحدود.
يعكس مسار عدد من الأفلام الإيرانية البارزة خلال السنوات الأخيرة توجهاً واضحاً نحو جعل المرجعية القرآنية جزءاً عضوياً من البناء الدرامي والبصري، مع تنويع المقاربات بين الحكاية الحربية والدراما العائلية والسرد الرمزي. وتبدو هذه الاستراتيجية ملائمة لبيئة ثقافية ترى في الفن أداة للتعبير عن هوية دينية ووطنية في آن واحد، من دون التخلي عن الطموح في الوصول إلى جمهور عالمي عبر المهرجانات والمنصات الرقمية.

