تثير مقالة محمد نور الدين أفاية المنشورة في موقع Quid.ma عن إدغار موران، بعد رحيل هذا الأخير عن عمر ناهز 104 أعوام، صورة مثقف اشتبك مع السينما بوصفها مختبراً للمعرفة، لا مجرد فن للمتعة أو الفرجة. يتعامل أفاية مع موران باعتباره مفكراً أعاد ترتيب علاقة الفلسفة بالصورة المتحركة، من خلال مشروع فكري واسع انطلق من علم الاجتماع، وامتد إلى الأنثروبولوجيا، ونظرية المعرفة، والنقد الثقافي، قبل أن يجد في السينما مجالاً يختبر فيه مفاهيمه حول التعقيد والإنسان والخيال.
تقدّم المقالة، بحسب ما يتيحه ملخصها والمنشورات المجاورة لها في القسم الثقافي من موقع Quid.ma، إدغار موران داخل مسار طويل من الاهتمام بالصورة وبالتمثلات، حيث لا تطرح السينما عنده سؤال الجماليات فقط، بل أيضاً سؤال الواقع وكيفية بنائه وتخيله. فالسينما، في القراءة التي يستعيدها أفاية، تمثل فضاءً تلتقي فيه عناصر متباعدة: الذاكرة الفردية والجماعية، الاقتصاد الصناعي للصورة، التحولات التقنية، وأشكال السرد الحديثة التي تعيد صياغة علاقة المتفرج بالعالم. ومن هذا المنظور، يبدو موران مفكراً يزاوج بين صرامة الباحث الاجتماعي وحساسية المتلقي الذي يختبر الأفلام بوصفها وثائق عن الإنسان في لحظاته الهشة والمركّبة.
تربط المقالة بين رحيل موران وبين موقعه داخل تقاليد الفكر الأوروبي المعاصر، حيث يظهر كواحد من الأسماء التي حاولت مراجعة الحدود التقليدية بين التخصصات العلمية والإنسانية. فصاحب «La Méthode»، الذي عُرف بتنظيره لفكرة «الفكر المركّب»، يجد في السينما، وفق ما يستحضره أفاية، مجالاً يسمح بإدراك التداخل المستمر بين الخيال والواقع، وبين التجربة الفردية والبنى الاجتماعية، وبين التقنية والصيرورات الرمزية. هكذا تتحول قاعة العرض إلى مكان تُختبر فيه التوترات الكبرى لعصرنا: العنف والحرب، اليوتوبيا والدستوبيا، التحول الحضري، وأثر الوسائط الحديثة في صياغة الإدراك.
وتستند قراءة أفاية، كما يعكسها حضوره المتكرر في نصوص ثقافية وفلسفية على المنصة ذاتها، إلى اهتمام قديم لديه بالعلاقة بين الصورة والتفكير النقدي. فهذا الجامعي المغربي، المشتغل على الفلسفة الحديثة والجماليات وعلوم التواصل، سبق أن خصص مقالات لقراءه أعمال مفكرين مثل هابرماس وفوكو ودولوز، انطلاقاً من أسئلة العقل العمومي والسلطة والمعرفة، وهو ما يمنح قراءته لموران امتداداً ضمن مشروع أوسع للتفكير في تحولات الثقافة المعاصرة. في هذا السياق، يندرج الحديث عن السينما عند موران ضمن شبكة مفاهيمية تشمل العقلانية، النقد، المجال العمومي، والوسائط التي تعيد تشكيل إدراك الأفراد والجماعات.
من خلال العنوان الذي اختارته هيئة تحرير Quid.ma للمقالة، يبرز موران بوصفه «مفكراً كبيراً للسينما»، بما يوحي بأن علاقته بهذا الفن لم تكن ثانوية أو عرضية داخل مساره النظري. المقالة، كما تسمح به الإحالات المتناثرة في الموقع ذاته، تنفتح على البعد المغربي في علاقة موران بالفضاء المتوسطي، وهو ما تؤكده أيضاً مواد صحفية أخرى حول إقامته المتكررة في مراكش واهتمامه بحيويتها الثقافية. هذا البعد يمنح النص بعداً إضافياً بالنسبة للقارئ المغربي، إذ يلتقي في سيرة موران مسار فيلسوف عالمي مع مشهد سينمائي وفضاء اجتماعي ظل حاضراً في تجربته الشخصية.
وإذا كانت مقالات سابقة في المنبر نفسه قد تناولت موضوعات قريبة، مثل علاقة الأدب بما يُسمى «صناعة الواقع»، أو نقد العقلانية المعاصرة عند هابرماس، فإن نص أفاية عن موران يبدو امتداداً لهذا الخط التحريري الذي يربط الأسئلة الفلسفية بالنقاش الثقافي الراهن. فالتفكير في السينما، كما يقدمه المقال، ليس انشغالاً جمالياً خالصاً، بل محاولة لفهم كيف تصوغ الصور المتحركة تمثلاتنا عن العالم، وكيف تسهم في بناء أرشيف بصري للعصر، يسمح بقراءة تحوّلاته الاجتماعية والسياسية والرمزية. من هنا يمكن للقارئ المتخصص في الإعلام أو الصحافة الثقافية أن يستخلص من النص مدخلاً لتغطيات أو مقالات تعيد طرح مكانة السينما في النقاش العمومي، باعتبارها أداة للمعرفة والحوار، لا مجرد صناعة ترفيه.
في ضوء ذلك، تتجاوز المقالة طابع التأبين، لتقدّم مدخلاً إلى فكر موران من زاوية علاقته بالسينما، مع استحضار إرثه الأوسع في مجالات السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا ونظرية التعقيد. وتمنح هذه المقاربة للصحفيين والباحثين في الحقل السمعي البصري إمكانية التعامل مع أعمال موران كمصدر نظري لفهم تحولات المشاهدة الجماعية، ومكانة الصورة في المجتمعات المعاصرة، والرهانات الأخلاقية والمعرفية المرتبطة بالوسائط الجديدة. بهذا المعنى، يُقرأ النص كدعوة إلى إعادة فتح ملف العلاقة بين الفكر الفلسفي وممارسات الإبداع البصري، في زمن تتسارع فيه وتيرة إنتاج الصور وتداولها عبر المنصات الرقمية.

