أعاد نشر حلقة إذاعية تعود إلى 11 أيلول/سبتمبر 1987 فتح نافذة دقيقة على لحظة مبكرة من تفكير السينمائي المغربي مومِن السّميحي في شروط إنتاج الصورة محليا. التسجيل، الذي أنجزته الصحفيتان الفرنسيتان فرانسواز إستيف وكريستين برلامون ضمن برنامج "ليالي فرانس كولتور"، يضع السّميحي إلى جانب أسماء أخرى من جيل كان يحاول رسم معالم صناعة سينمائية ناشئة، بوسائل محدودة ورهانات ثقافية متشابكة. المادة متاحة اليوم عبر أرشيف فرانس كولتور، ما يمنحها قيمة توثيقية مضاعفة في قراءة تاريخ الخطاب السينمائي المغربي.
العبارة التي تصدّرت تقديم الحلقة، ومفادها أن غياب إنتاج الصور يقود إلى نوع من "المجاعة"، تكثّف تصورا يتجاوز الحقل الفني الضيق. السّميحي يتعامل مع الصورة كأداة سيادية، ترتبط بالقدرة على تعريف الذات داخل فضاء دولي تتحكم فيه مراكز إنتاج كبرى. حين تغيب هذه القدرة، تصبح المجتمعات مستهلكة لصور تُصنع خارجها، وهو ما ينعكس على تمثلاتها لنفسها وعلى موقعها في السرديات العالمية. هذا الطرح يندرج ضمن نقاش أوسع عرفته سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حول الهيمنة الثقافية وتدفقات الصورة بين الشمال والجنوب.
في ذلك التسجيل، يتضح أن سؤال البنية التحتية كان حاضرا بقوة. الإنتاج السينمائي في المغرب آنذاك ظل مرتبطا بإمكانات محدودة، سواء على مستوى التمويل أو التوزيع أو التكوين التقني. كما برزت علاقة ملتبسة مع الدولة، بين دعم جزئي ورقابة متفاوتة، وهو ما أثر على نوعية المشاريع التي يمكن إنجازها وعلى استقلالية الخطاب السينمائي. السّميحي، مثل غيره من مجايليه، لم يفصل هذه الإكراهات المادية عن الرهانات الرمزية، بل اعتبرها جزءا من معادلة واحدة تحدد ما يمكن تصويره وكيفية تصويره.
البرنامج الإذاعي نفسه يقدم مقاربة مركبة تجمع بين شهادات المخرجين ومقاطع من أعمالهم، في محاولة لبناء ذاكرة سمعية بصرية لسينما لم تكن قد راكمت بعد أرشيفا ضخما. هذا الشكل، القائم على المونتاج بين الصوت والتحليل، يكشف وعيا مبكرا بأهمية التوثيق، ليس فقط للأفلام بل أيضا للأفكار التي صاحبت نشأتها. النتيجة مادة أرشيفية تسمح اليوم بتتبع تطور الخطاب حول الهوية البصرية، ومقارنته بتحولات لاحقة في الإنتاج والتوزيع.
قراءة هذه الوثيقة اليوم تفتح تقاطعات مع أسئلة معاصرة. المنصات الرقمية العالمية أعادت تشكيل شروط إنتاج الصورة وتداولها، وخلقت فضاءات جديدة للعرض خارج القنوات التقليدية. في المقابل، زادت كثافة الصور المستوردة، سواء عبر السينما أو المسلسلات أو المحتوى الرقمي القصير. هذا التوازن غير المستقر يعيد طرح الإشكال الذي صاغه السّميحي قبل عقود: من ينتج الصورة، ولأي جمهور، وتحت أي شروط اقتصادية وتقنية.
المثير أن تصور "المجاعة" الذي صاغه المخرج المغربي لا يرتبط بندرة الصور بقدر ما يرتبط بندرة الصور المحلية القادرة على التعبير عن التجربة الذاتية. اليوم، مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح إنتاج الصورة متاحا تقنيا على نطاق واسع، لكن السيطرة على نماذج التدريب والبنى التحتية بقيت متمركزة لدى فاعلين دوليين كبار. هذا التحول يطرح امتدادا معاصرا للسؤال نفسه، حيث تتداخل قضايا الملكية الفكرية، البيانات، والتمثيل الثقافي في فضاء رقمي معولم.
إعادة إتاحة هذا الأرشيف لا تقتصر على استعادة صوت مخرج أو مرحلة تاريخية، بل تتيح أيضا بناء مقارنات زمنية دقيقة. كيف تغيرت سياسات الدعم السينمائي في المغرب، ما الذي تبدل في علاقة الجمهور بالصورة، وكيف أعادت التحولات التكنولوجية تعريف مفهوم "الصناعة" نفسها. هذه الأسئلة تمنح الصحفيين والباحثين مادة أولية لإعادة تركيب مسار طويل، يبدأ من ندرة الوسائل وينتهي إلى وفرة الأدوات، دون أن يحسم بالضرورة معضلة التحكم في السردية.

