وثائقي يستكشف سراديب الفاتيكان بمشاركة البابا ليون الرابع عشر

أضيف بتاريخ 06/05/2026
Nour | نور

تستعد المخرجة الإسبانية باولا أورتيث لإطلاق فيلم وثائقي جديد بعنوان باليونانية القديمة «بيتروس إني» (أي «بطرس هنا»)، يكرس بالكامل لما يقع في أعماق مدينة الفاتيكان، حيث تمتد نécropole المدفونة تحت بازيليك القديس بطرس بعدة أمتار في باطن الأرض، وهي منطقة شديدة التحفظ في قلب الدولة البابوية لا يُسمح عادة إلا لعدد محدود من الزوار بالوصول إليها.



هذا المشروع السينمائي يأتي بناء على تكليف مباشر من فرق الاتصال في الفاتيكان، التي رأت في أورتيث – وهي مخرجة تعرّف نفسها بأنها ملحدة، نسوية ومنتمية إلى اليسار – صوتاً قادراً على مقاربة تاريخ ضريح القديس بطرس بزاوية فنية وتأملية تتجاوز القوالب الدينية التقليدية. وتصف المخرجة تجربتها في هذا المكان بأنها تجربة لا تتكرر، إذ تتحدث عن أثر عميق تركه فيها صمت الموقع وثراء أبعاده الجمالية والتاريخية.

الفيلم يُقدَّم على أنه رحلة «عمودية» عبر الزمن، تجمع بين التاريخ والفن وتجربة الإيمان من خلال تتبع طبقات الزمن المتراكمة تحت البازيليك الحالية، وما تحمله من شواهد معمارية وجنازية تمتد من العصور الرومانية إلى اليوم. هذه البنية السردية تمنح الوثائقي بعداً استكشافياً أقرب إلى الغوص في طبقات الذاكرة المادية للمسيحية الأولى، مستفيداً من إمكانية تصوير نادرة داخل فضاءات ظلت طويلاً بعيدة عن عدسات الكاميرات. اختيار اللغة اليونانية القديمة لعنوان العمل يحيل بدوره إلى زمن الكنيسة الأولى، ويضيف طبقة رمزية تعزز البعد التاريخي للمشروع.

العنصر الأبرز الذي يلفت الانتباه في هذا الوثائقي هو مشاركة البابا ليون الرابع عشر نفسه، إذ تؤكد أورتيث أنها لم تُبلَّغ بقرار مشاركته إلا في مرحلة متأخرة جداً من الإعداد، ما اضطر الفريق التقني إلى التحضير لالتقاط مشاهد محدودة في وقت ضيق داخل الفاتيكان. وقد أتيح لهم تنفيذ لقطة واحدة فقط مع الحبر الأعظم، الأمر الذي فرض مستوى عالياً من الانضباط التقني والتنظيمي لضمان جودة التصوير من المحاولة الأولى. وتصف المخرجة البابا خلال هذه الجلسة بأنه رجل هادئ، لطيف ودقيق في تعامله مع تفاصيل العمل، ما سهّل عملية التوجيه الإخراجي رغم حساسية الموقع وطبيعة الشخصية المشاركة.

إلى جانب ظهوره على الشاشة، يساهم ليون الرابع عشر أيضاً بنص من تأليفه يُدرج في الفيلم على شكل تأمل سردي، تقدمه أورتيث بوصفه نصاً يحمل بعداً شعرياً وتأملياً حول موضوع الضريح ومعنى الحضور في هذا المكان. هذا الاختيار يمنح الوثائقي طبقة إضافية، حيث يتقاطع فيه الخطاب البصري مع صوت صاحب السلطة الروحية الأولى في الفاتيكان، ضمن معالجة تجمع بين البعد الوثائقي والتأمل الشخصي. وتبقى مع ذلك أسئلة معلقة حول كيفية تلقي جمهور أوسع لهذا المزج بين نظرة مخرجة لا دينية وصوت الحبر الأعظم داخل عمل واحد.

من الناحية الإنتاجية، يُعوَّل كثيراً على صوت الممثل الأميركي كريس برات، الذي يتولى التعليق الصوتي والربط بين أجزاء الفيلم، وهو اسم بارز لدى جمهور السينما التجارية بفضل أدواره في أفلام مثل «Les Gardiens de la Galaxie» و«Jurassic World» ويُعرَف بانتمائه إلى الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة. هذا الاختيار يمنح الوثائقي جسراً مع جمهور دولي واسع، ويتيح للفاتيكان مخاطبة فئات شابة اعتادت على رؤية برات في أدوار ترفيهية، في سياق مختلف يتسم هنا بطابع تفسيري وتأملي.

يُنتظر أن يُعرض «بيتروس إني» في إسبانيا خلال شهر نوفمبر المقبل، تزامناً مع الذكرى الرابعة المئة لافتتاح بازيليك القديس بطرس، ما يمنح العمل بعداً احتفائياً بحدث معماري وروحي مركزي في تاريخ الكاثوليكية. حتى الآن، لم يُعرف ما إذا كان الوثائقي سيُوزَّع في فرنسا أو في أسواق أوسع، لكن مشاركة اسمين معروفين دولياً، البابا ليون الرابع عشر وكريس برات، تفتح الباب أمام إمكانية تفوق نطاق العرض المحلي في إسبانيا.

اختيار باولا أورتيث لإنجاز هذا العمل يرتبط أيضاً بمسارها السينمائي في السنوات الأخيرة، إذ حظي فيلمها «تيريزا» الصادر عام 2023، والمخصص لشخصية تيريزا دافيلا، باهتمام داخل الدوائر الكاثوليكية والإسبانية على السواء. كما حصد فيلمها الطويل الخامس «العذراء الحمراء» ترشيحاً في جوائز غويا لعام 2025، وهو عمل يستعيد قضية جنائية من ثلاثينيات القرن الماضي تتعلق بقتل ناشطة اشتراكية نسوية على يد والدتها المصابة بجنون الارتياب، ما يعكس اهتمام المخرجة بصوغ قصص تتقاطع فيها السياسة والذاكرة الفردية والجماعية. هذا المسار قد يكون لعب دوراً في ثقة الفاتيكان بقدرتها على معالجة مواد ذات شحنة دينية وتاريخية عالية مع الحفاظ على مسافة فكرية واضحة.

المشروع يندرج ضمن توجه أوسع لدى دوائر الاتصال في الفاتيكان لاستثمار أدوات السرد البصري الحديثة، من أجل إعادة تقديم الفضاءات الرمزية الكبرى في قلب الكاثوليكية بأساليب قادرة على مخاطبة جمهور عالمي رقمي ومتعدد اللغات. ومن شأن وثائقي يفتح الكاميرا على الطبقات المخفية تحت بازيليك القديس بطرس أن يضيف مادة بصرية جديدة للخطاب حول مواقع الذاكرة المسيحية، في وقت يتزايد فيه حضور المنصات الرقمية والبرامج الوثائقية المتخصصة في التاريخ الديني والثقافي.

في هذا السياق، يبدو أن الجمع بين رؤية مخرجة آتية من خلفية فكرية بعيدة عن المؤسسة الدينية، وبين مشاركة مباشرة من البابا ليون الرابع عشر، قد يمنح «بيتروس إني» مكانة خاصة داخل الإنتاج الوثائقي المعاصر حول الفاتيكان. هذا التلاقي بين مسافة نقدية معلنة من جانب أورتيث، وحضور نصي وبصري للحبر الأعظم، يوفر مادة خصبة لتحليل طرق إعادة سرد التاريخ المقدس عبر وسائط سينمائية تستهدف جمهوراً واسعاً داخل وخارج الأوساط المؤمنة.