قبل يومين من انتخابات التجديد النصفي المقررة يوم 3 نوفمبر 2026، نشرت صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية تحقيقاً ميدانياً من منطقة دالاس يرصد كيف صار حضور المسلمين المتنامي في شمال تكساس مادة للتعبئة الانتخابية في ولاية ظلّت معقلاً جمهورياً منذ عقود. ويتمحور التحقيق حول مشروع سكني يحمل اليوم اسم «ذا ميدو» (المرج)، تحوّل إلى رمز لمخاوف اليمين المحافظ وإلى ساحة لنزاعات قضائية متشعبة.
مسجد يتحول إلى مكتب اقتراع
يفتتح المراسل تحقيقه من مسجد ريتشاردسون شمال دالاس، الذي احتضن مكتباً للتصويت المبكر، وتوافد إليه المصلّون يوم الجمعة للاقتراع بعد الصلاة. وهناك التقى مرشحاً ديمقراطياً للكونغرس يوزّع منشوراته على المصلّين، مؤكداً أن مشاركة الناخبين المسلمين قد ترجّح الكفة في الدوائر المتقاربة، ولذلك يحرص على الحضور في أوقات الصلاة.
«ذا ميدو»: من مشروع عقاري إلى قضية وطنية
على بعد نحو سبعين كيلومتراً شمال شرق دالاس، قرب بلدة جوزفين الريفية، يخطط مطوّرون مرتبطون بمركز شرق بلانو الإسلامي (EPIC) لإقامة حيّ على قرابة 400 فدان، أي نحو 160 هكتاراً، يضمّ أكثر من ألف وحدة سكنية ومسجداً ومدرسة وخدمات تجارية وطبية. وقد عُرف المشروع أولاً باسم «إيبك سيتي»، قبل أن يُعاد تسميته أواخر 2025.
ويؤكد القائمون عليه أن المساكن مفتوحة لأتباع جميع الأديان، وأن الطابع الإسلامي يقتصر على المدرسة، كما نقلت صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» عن قيادات إسلامية محلية أشارت إلى عدم وجود أي قيد في عقود الملكية يحصر السكن في المسلمين. وتذكر الصحيفة ذاتها أن وزارة العدل الفيدرالية أغلقت تحقيقها في المشروع عام 2025 دون توجيه أي اتهام، بعد التزام المطوّرين بتعديل موادهم الترويجية، في حين لا يزال تحقيق تابع لوزارة الإسكان قائماً، وصدر في مايو 2026 حكم ابتدائي لصالح المطوّرين جرى الطعن فيه.
في المقابل، يواصل المدّعي العام لتكساس كين باكستون معركته القضائية؛ إذ حصل مكتبه في مارس الماضي على أمر قضائي مؤقت يجمّد دعم هيئة محلية للمرافق للمشروع، على أن تُعقد المحاكمة يوم 16 نوفمبر 2026. ولم يبدأ البناء حتى الآن، إذ ما زال المشروع في مرحلة التخطيط والمراجعة الإدارية.
خطاب جمهوري وإنجيلي متصاعد
يمنح التحقيق مساحة واسعة لأصوات المعارضين. فالنائب الجمهوري كيث سِلف، المرشح لإعادة انتخابه عن شمال تكساس، يرى في المشروع تهديداً يتجاوز الولاية، ويلخّص موقفه بعبارة: «إذا سقطت تكساس، سقطت أمريكا». ويقدّم الإسلام والشريعة بوصفهما خطراً على الدستور الأمريكي، ويعبّر عن قلقه من ارتفاع معدلات الإنجاب لدى المسلمين. وكان سِلف قد أسّس مع زميله تشيب روي تجمّعاً برلمانياً باسم «أمريكا خالية من الشريعة»، ويقرّ في حديثه للصحيفة بأن مشاريع القوانين التي يقدّمها لن تمرّ على الأرجح، وأن غايتها توجيه رسائل سياسية.
ويضيف التحقيق أصواتاً أخرى: مرشح جمهوري لمنصب محلي في مقاطعة كولن يتحدث عن «غزو سياسي» يستهدف المجالس المدرسية والقضاء المحلي، وناشطة سابقة في منظمة معروفة بعدائها للإسلام أدلت بشهادتها أمام الكونغرس وتطلق أحكاماً قاسية على التاريخ الإسلامي برمّته، وقسّ إنجيلي في مدينة فريسكو يعبّئ رعيّته ضد المشروع ويقرأ فيه تحقيقاً لنبوءات توراتية. كما ينقل المراسل أن إدارة مركز شرق بلانو الإسلامي امتنعت عن التعليق.
ما لا تقوله الأرقام المتداولة
في سياق هذا الخطاب، تبرز معطيات تخفّف من فرضية «الانقلاب الديموغرافي». فبحسب «كريستيان ساينس مونيتور»، يقدَّر عدد المسلمين في تكساس بأكثر من 300 ألف شخص، أي نحو 1% من سكان الولاية البالغ عددهم قرابة 31 مليون نسمة، وهي نسبة لم تشهد نمواً يُذكر، بل إن عددهم في منطقة دالاس-فورت وورث تراجع بين عامَي 2010 و2020 وفق بيانات أرشيف البيانات الدينية، وإن سجّل ارتفاعاً في مقاطعة كولن تحديداً. وتلاحظ الصحيفة أن لا دليل على تطبيق الشريعة في أي من هذه التجمعات، وتنقل عن مؤرخين أن الحديث عن مهاجرين «غير قابلين للاندماج» تكرّر في كل الحركات المناهضة للهجرة عبر التاريخ الأمريكي.
وعلى صعيد الدولة، تصاعدت الإجراءات الرسمية؛ إذ صنّف الحاكم غريغ أبوت في نوفمبر 2025 جماعة الإخوان المسلمين ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير) منظمتين إرهابيتين أجنبيتين وإجراميتين عابرتين للحدود على مستوى الولاية، وهو قرار انتقدته منظمات إسلامية واعتبرته استهدافاً سياسياً.
رهان مجلس الشيوخ وما بعده
يأتي هذا الجدل في ظل سباق متقارب على مقعد تكساس في مجلس الشيوخ بين الجمهوري كين باكستون والديمقراطي جيمس تالاريكو، المدرّس والطالب السابق في معهد لاهوتي مشيخي الذي يقدّم نفسه بوصفه مسيحياً تقدمياً. وقد أظهر استطلاع لشبكة «فوكس نيوز» تعادل المرشحَين، في ولاية لم ينتخب فيها الديمقراطيون سيناتوراً منذ عام 1988. ويرى الجمهوريون أن خسارة تكساس، بأصواتها الأربعين في المجمع الانتخابي، ستغيّر موازين الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبين مسجد تحوّل إلى مكتب اقتراع وحقل تتوسطه صليب خشبي على أرض المشروع، يكشف المشهد التكساسي كيف يمكن لملف عقاري محلي أن يتحول إلى رمز في معركة الهوية الدينية للولايات المتحدة، وهي قضية تتقاطع مع ما تناولته سُبْحة عن صورة المسلمين في الإعلام وعن حضور الانتماء الديني في الحملات الانتخابية الأمريكية.


